في العاشر من ديسمبر المقبل تنتهي المدة المحددة من قبل الأطراف المعنية للتوافق بشكل نهائي على ما يعرف بالمصير النهائي لإقليم كوسوفو، لكن كما يبدو من المؤشرات الكثيرة المتوفرة حاليا بأن ذلك لا يزال ، على الأقل حتى هذه اللحظة، أمرا في غاية الصعوبة.
وفي وقت تتوقع فيه مصادر عديدة أن تشهد الأسابيع المتبقية نشوء دولة جديدة فوق الخارطة الأوروبية قد تحمل اسم «دولة كوسوفو»، فإن آخرين يحذرون من خطورة هذه الخطوة نظرا لما سيكون لها من انعكاسات مختلفة على مجمل الوضع في بعض جمهوريات يوغسلافيا السابقة خصوصا، ومنطقة البلقان عموما.
لقد فشلت صربيا حتى الآن بإقناع ألبان كوسوفو بمنطق بقاء الإقليم ضمن ما تبقى من الكيان الصربي الأشمل، برغم استعداد مسؤوليها لمنح هذا الإقليم صلاحيات أفضل ضمن إطار حكم ذاتي أوسع.
وقوبل هذا العرض برفض صريح حتى بعد أن وافق الصرب على السماح للألبان - حسب ما تردد في بروكسل مؤخرا - بإدارة كافة شؤونهم الذاتية المرتبطة بممارسة مقاليد السلطة والحكم باستثناء الشؤون الأمنية والخارجية، أي على غرار ما هو قائم في بعض الجزر المحكومة من قبل فنلندا.
ولا شك بأن الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي شهدت انتصارا كاسحا للألبان في ظل مقاطعة واضحة من قبل الصرب، قد شكّلت مرحلة انتقالية حساسة في توضيح صورة ما قد يستجد على الخارطة الجيو ـ سياسية في منطقة البلقان.
وتحديدا فيما إذا كانت خطوة إعلان الاستقلال التي تعهد الفائز في تلك الانتخابات بتحقيقها، ستؤدي لخطوات مواجهة من قبل الصرب وبالتالي إلى حركة تصعيدية غير واضحة المعالم والأخطار.
السيناريو الأخطر الذي يجري الحديث عنه في الوقت الحاضر هو احتمال لجوء بعض الأطراف ممّن لم يتمكنوا بعد من إغلاق ملف الحرب الأهلية وما نتج عنها من كراهية متبادلة، إلى فتح جبهة مواجهة ثانية لإرباك الوضع المستقر نسبيا في البوسنة والهرسك تحديدا، معتمدين بذلك على نار الصراع القومي والعرقي الذي لا يزال مشتعلا تحت رماد الخلافات الكثيرة القائمة بين الأطراف المعنية بهذا الصراع.
والمؤشر الواضح في كل ذلك هو العنوان الذي يطرحه المتشددون من صرب البوسنة بكل بساطة، ومختصره أنه في حال أعلن ألبان كوسوفو دولتهم المستقلة فإنهم سيعلنون بدورهم استقلالهم عن البوسنة وانضمامهم بالتالي إلى جمهورية صربيا «الأم».
وحسب المطلعين على هذه المنطقة من العالم، فإن شبح التوتر يحوم بوضوح في أجوائها السياسية وكذلك في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين العاديين، لدرجة أن البعض لا يجد حرجا في مقارنة الأجواء بتلك التي كانت سائدة عشية اندلاع الحرب الطاحنة التي غيّرت معالم المنطقة بشكل واضح، وقسّمت جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية إلى دول مفترقة في كيفية مقاربتها للشؤون الإقليمية والدولية المختلفة.
وقد يكون هؤلاء مبالغين في حجم توقعاتهم لما ستؤول إليه الأوضاع الحالية لاقتناع البعض ذاتيا بأن الضغوط الدولية لن تسمح بحصول الأسوأ، لكنهم يذكّرون في نفس الوقت بالظروف المماثلة التي كانت قائمة في البلاد إبان اندلاع الحرب وأدت لسيناريوهات خطيرة لا يأمل أحد بتكرارها مجددا.
إضافة لذلك، فإن ما يزيد من واقعية هذه المخاطر هي تلك المواقف والتصريحات التي تتسرب بين وقت وآخر عن المسؤولين المحليين والدوليين المعنيين بالشأن البوسني، الذين يعلنون بكل وضوح أن البوسنة تعيش في الوقت الحاضر ما يصفوه بأسوأ أزمة وجود منذ انتهاء الحرب الأهلية.
أمام كل هذا يتساءل البعض فيما إذا كان العالم قد غرق في سبات مماثل لذلك الذي غرق فيه سابقا وأدى لكل المآسي والويلات التي شهدنا فصولها، أم أن ما يجري هو ترجمة فعلية لواقع جديد قد جرى حبك فصوله وراء الكواليس ويحظى بمباركة أوروبية إن لم نقل تأييد دولي أشمل.
ويتساءل آخرون فيما إذا كان التركيز الكبير من قبل المجتمع الدولي على كوسوفو ومستقبلها قد أدى بشكل أو بآخر إلى تناسي أحلام وتطلعات المتشددين من صرب البوسنة ومنحهم بالتالي مجالا أكبر للمناورة وخلق التوتر.
بجميع الأحوال، فإن أبرز مؤشر على كيفية تعامل المجتمع الدولي مع التوتر أو الفوضى السياسية اللذين يمكن ملاحظتهما في تفاصيل أجواء البوسنة، تمثّل بالقرار الذي أتُّخذ لإبقاء المفوض الدولي الأعلى للبوسنة ميروسلاف لايتشاك في منصبه لغاية العام 2009، وبقرار الاتحاد الأوروبي لإبقاء وحداتها العسكرية في البوسنة إلى وقت غير محدد بعد.
وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل بكل تأكيد على وجود قناعة تامة بضرورة الحفاظ على «بصمات» دولية في هذه المنطقة من العالم التي قد تعود إلى الانفجار في أية لحظة نظرا لهشاشة الحلول السياسية التي تم فرضها في الحقبة الماضية بالاعتماد على الضغط الهائل الذي ولّدته العوامل الكثيرة التي كانت سائدة، ومنها المعاناة الإنسانية الكبيرة.
ماذا يمكن أن نتوقع إذاً في حال أصر الألبان على إعلان استقلال إقليمهم؟
التوقع السائد في أوروبا الوسطى على الأقل هو أن خطوة مثل هذه ستؤدي، في حال تم تبنّيها بشكل أحادي الجانب، إلى تأجيج النار فوق برميل من البارود، وهو مصطلح حرفي يتم استخدامه في هذه المنطقة من العالم.
إضافة لذلك، فإن هذه الخطوة ستشكّل بكل تأكيد سابقة لا مثيل لها، ستثير الحماس لدى أطراف أخرى في أوروبا ترغب بالاستقلال عن وطنها الأم مثل إقليم الباسك وغيره.
ولا شك بأن الإعلان أحادي الجانب سيثير خلافات عميقة بين أقطاب الاتحاد الأوروبي نفسه المنقسمين بوضوح حيال هذه المسألة، وهو أمر لا أظن بأن أياً من أطراف الصراع في البلقان يأمل في تحقيقه نظرا لرغبة الجميع بالتكامل في نهاية المطاف مع هذا الكيان الأوروبي الشامل.
ما هو أخطر من كل ذلك بطبيعة الحال، هو أن أية خطوة غير مدروسة ستؤجج الصراعات الدموية بين الصرب والألبان، لا في الإقليم فحسب، بل أيضا في المناطق الصربية التي يوجد فيها أقلية ألبانية. وهذا بكل تأكيد أمر يسعى الجميع لتجنبه.
كاتب لبناني