الصلف صفة ملازمة للخطاب الإسرائيلي. مارسته تل أبيب في كل الظروف. حتى عندما تزعم أنها تريد السلام، أو أنها تنوي التحرك نحوه، صار ماركة مسجلة باسمها، ودائماً هو مشحون بلغة الإملاء والإصرار على الاستفراد، آخر نماذجه تجلّى في كلام الوزيرة ليفني.

وهي في طريقها إلى أنابوليس، والتي تطالب العرب بأن لا يتدخلوا في شأن المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، يعني أن يبقوا في مقاعد الشهود أو المتفرجين، والأنكى أن إسرائيل سعت، مع واشنطن لتأمين حضور عربي وازن في المؤتمر.

مسؤولون إسرائيليون أعربوا، في تصريحات صحفية عن ترحيبهم بهذه المشاركة، باعتبارها «أهم إنجاز في المؤتمر». ما ترمي إليه تل أبيب إذاً واضح: اغتنام الفرصة لمدّ الجسور فقط، مع العرب؛ ولتأمين مباركتهم لانطلاقة عملية التفاوض من جديد.

والأوضح أنها تغتنم هذه الفرصة للتأكيد على أنها ليست في وارد مغادرة سياسة قديمة، نهض عليها تعاملها مع الجوار العربي: سياسة التعامل معه بالمفرّق، ومن هنا كان رفضها السريع للمبادرة العربية التي صدرت عن قمة بيروت عام 2000، فهي لا تطيق التعاطي رزمة واحدة مع الصراع، مع أن المبادرة تقوم على فكرة السلام الشامل ـ بالمقايضة مع الانسحاب الشامل من أراضي 1967.

ـ هي تتشدق بمثل هذا السلام، لكنها تريده من خلال صفقات منفردة، كلّ على حدة، فذلك يمكنّها من التشدد بشروطها، والأهم أنها بهذه المقاربة تكون قد وضعت الصراع في إطار نزاعات حدودية وليس في إطار صراع عربي ـ إسرائيلي؛ مع كل ما يوفره لها ذلك من قدرة على جرجرة الأمور بحيث يفسح لها المزيد من الوقت لخلق أمر واقع على الأرض؛ يكون بالنهاية خارج دائرة أي تسوية.

من زمان عملت بهذا التوجه، واليوم ترجع إليه؛ للتذكير به والعمل على هديه. من جهة هي ترى أن مشاركة العالم العربي «ضرورية» لإنجاز أية تسوية مع الجانب الفلسطيني، ومن جهة أخرى، تطالبه بالبقاء بعيداً؛ بحيث «لا يكون ضالعاً» في المفاوضات. وكأن دوره يتحدد فقط في البصم على النتائج المستولدة وفق شروطها ومواصفاتها!

في الواقع هي تطالبه بعدم الاعتراض؛ على ما يتم التوصل. أو بالأحرى على ما تفترض أنها قادرة على الوصول إليه؛ وراغبة فيه، كما أن هذا الكلام ينطوي على التمهيد لرمي المسؤولية على العرب إذا لم تتحقق رغباتها وشروطها؛ في حين أن مقدمات هذا المؤتمر والظروف المحيطة به؛ كلها تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد ذهبت إلى أنابوليس خطوة إلى الأمام وخطوة وأكثر إلى الوراء.

وربما أيضاً رفعاً للعتب، ومن هنا تشديدها على أن هذا الاجتماع هو مجرد إعلان انطلاقة عملية التفاوض، وبذلك تحلّلت من أي التزام. وحتى أنها شطبت عبارة السلام، من مداولاتها وتصريحاتها حول أنابوليس، من يقصد فعلاً بوابة السلام، لا يسير بمثل هذه الضبابية والالتباس.

المشاركة العربية عكست في حيثياتها وعيها لهذه النوايا والمقاصد الإسرائيلية؛ وما تنطوي عليه من سلبيات.

أعطت التطمينات الأميركية فرصة أخرى. الإشارات تكاثرت، حول أن إدارة بوش قد تكون مضغوطة اليوم، قبل سنة من نهاية ولايتها وفي ضوء المصاعب العراقية، لتحقيق أو الدفع باتجاه تحقيق اختراق ما. إذا صحّ ذلك ـ وهي إذا كبيرة ـ يصبح السؤال: أي اختراق؟ ومع السؤال لابدّ أن تكون الرسالة صريحة: لا تتوقعوا مباركة العرب لأية صيغة، خارج المبادرة العربية.