خرج النائب الإخواني عن أدب الحوار عندما وصف وزير الخارجية البحريني بضرورة الاغتسال نتيجة النجاسة لكونه صافح وزيرة الخارجية الإسرائيلية فأصيب المجتمع السياسي البحريني بوعكة صحية لطبيعة الحوار ومستواه ومضمون ألفاظه البعيدة عن سياق التهذيب المفترضة بين ممثلي الشعب الذين يجلسون تحت قبة لها أصولها في الخطاب السياسي والنهج التوافقي والخلافي حتى وان بلغت حدة النقاشات أقصاها فمن حق كل طرف في الدفاع عن وجهة نظره بل وعليه أن يستخدم كل الوسائل النيابية من لوائح تنظيمية تنظم تلك العلاقة بين السلطتين.

وليس ملزما أي طرف بإقناع أطراف نيابية حكومية مختلفة في أجندتها وبرامجها ولكنه أيضا ينبغي على كل طرف أن يدرك كامل الإدراك أن أصول وتقاليد الحياة النيابية المختلفة هو التمسك بأصول اللعبة البرلمانية وحدودها.

ولا نريد أن نضرب أمثالا باستحضار ملفات وتقاليد البرلمانات العريقة وما شابها من تجاوزات وانتهاكات بلغ أوجها احتداما مخجلا إلى حد أنهم انفلتوا من وثاق ألسنتهم مثلما انفلتوا من مقاعدهم وبدأوا في العراك بالأيدي، ـ فكما قال العرب الحرب أولها الكلام ـ فلا خطاب العنف اللفظي واللغوي ولا العنف الجسدي نموذجنا المنشود.

بإمكان أي نائب أو وزير أن يدافع ويناقش عن وجهة نظره وعليه أن يفتش عن الصيغ والأشكال الملائمة بمحاصرة خصمه بالحجج والأدلة والوثائق والوقائع فليس مطالب النائب في كل جلسة عنترية البرهنة لناخبيه وللشارع السياسي انه بطل عتيد وإسلامي غيور على المقدسات وعروبة فلسطين والدفاع عن شعبها وقضيته العادلة بل ويتظاهر انه المتراس المتقدم من تلك القضية بصورة تمثيلية تزايد على الشعب الفلسطيني نفسه في معركته الطويلة.

ما قاله النائب الفضالة ـ عضو المنبر الإسلامي ـ لوزير الخارجية البحريني الشيخ خالد آل خليفة لا يمكن أن يقبله عاقل يتمتع بأبسط مقومات الفهم لمعنى أدب الحوار وأخلاقيات العمل النيابي المفترض اتباعها خاصة ونحن نود أن نؤسس لنموذجنا في المنطقة كحالة وظاهرة حميدة ومن أهمها ضبط النفس والانفعال أثناء الكلام والسيطرة على لجام اللسان المؤدي إلى ضلالة الانزلاق والزلة وفقدان البينة والبيان.

وقد جاءت فلتة اللسان العنيفة تلك خلال مناقشة النواب لاقتراح برغبة لوقف التطبيع مع إسرائيل حين تلفظ النائب فضالة مقولته التاريخية!

حين قال لوزير الخارجية: اغسل يديك سبع مرات ومرة بالتراب لتطهر يدك من النجاسة!. تلك الزلة أخرجت وزير الداخلية من طوره فرد عليه اغسلوا انتم يدكم من دماء الفلسطينيين وكان الإيماء واضحا للمنبر الإسلامي.

وبعيدا عن أبعاد تلك الزلة والمتاجرة علينا أن نناقش كيف انزلق لسان النائب وبلغ حد العجرفة فالحوار أجندة سياسية أعمق من ذلك الموضوع فهناك جوانب متداخلة في القضية ولكنها أيضا مختلفة سياسيا كمسألة «الاعتراف بإسرائيل» ومناهضة التطبيع إلى جانب قضية مصافحة وزيرة الخارجية الإسرائيلية في أروقة الأمم المتحدة والجانب الآخر مناقشة مسألة مكتب المقاطعة.

ولكل مسألة مستوى وطبيعة من الحوار والمسؤولية والذي بات مرتهنا بوضع إقليمي واتفاقيات دولية بشقيه الاقتصادي والتجاري وليس السياسي وحسب فالموضوع ليس مباراة في اتحادات رياضية تشارك فيها إسرائيل وفي إمكانك الانسحاب والتضحية بخسارة الفريق فالتجارة الحرة لها تبعات سياسية ودولية وانعكاسات سلبية في حقبة العولمة.

ولهذه المسألة مناقشات عميقة ينبغي أن يستوعبها النواب كعقل يمثل الناخبين قبل أن يكونوا اقل فهما منهم في الفرق بين مكتب مقاطعة وقرار من مجلس الجامعة العربية قبل نصف قرن من تحولات كبيرة أخلت بأوضاع وتوازنات وخلقت اتفاقيات دولية جديدة ولا يمكن أن تكون البلدان خارج نطاقها حسب الرغبات أو مقاطعة على طريقة الاعتصام بالزيتون والزعتر.

كما أن مقاطعة المصافحة الدبلوماسية ليس لها علاقة بنوعية مقاطعة البضائع فهي ليست في النهاية حفلة كوكتيل في سفارة ما يلتقي فيها وزير الخارجية بوزيرة دولة عدو وفق التداول السياسي السائد.

الجانب المتعلق بالدبلوماسية يختلف عن الجانب السياسي والاقتصادي فلكل واحد منها مستواه وحدوده. من يطالبون بالرفض المطلق وبرؤية عدمية هم من يزيدون في إطالة معاناة الشعب الفلسطيني إضافة إلى معاناتهم الحالية بسبب الحصار وتعطيل مشروع الدولتين والاعتراف المتبادل.

من يحاولون أن يرفعوا شعارات التدمير والإلغاء من الإسلاميين لشعورهم وقلقهم بضياع بيت المقدس في نهاية المطاف هم يشابهون المتشددين الذين كانوا قبل نصف قرن يتخلون بالتدريج عن مواقعهم منهزمين لكونهم عجزوا اجتياز بوابة صغيرة من المنافذ والحدود.

لهذا نرى مواقف عدمية من كل شيء تصب في نهاية الفكر السياسي التدميري والعدمي العاجز عن تحقيق مكاسب للشعب الفلسطيني على الواقع ولكنه مستعد إلى أن ينقلهم للجحيم بشعارات متآكلة.

مالا يجوز المزايدة عليه هو التدخل في الشأن الفلسطيني بترك الشعب الفلسطيني وممثليه الشرعيين فعل ما يرونه يناسبهم وعلى الدول العربية ومنظماته وقواه التضامن والدعم فإذا فتح الفلسطينيون مسارات الحوار والتطبيع والبحث عن معالجة جذرية للمشكلة فان جزءا من متطلبات تلك الخطوات التمهيد لها ليس في أجزاء معينة كالتطبيع التدريجي والمشروط وحسب بل ولا يمكن التفاوض مع الخصوم عبر وسائط إسمنتية لكي لا نتصافح كما هي الحالة قبل نصف قرن من الصراع.

للدبلوماسية مناخها وبروتوكولاتها وطريق السلام يبدأ من مستويات اقل وينطلق نحو آفاق أوسع القصص المثارة في مجلس النواب البحريني والصور المعلنة للإعلام ليست إلا خطابا عاطفيا أكثر منه خطابا مفيدا لمعالجة الأزمات فلا يوجد شخص يفهم السياسة لا يدرك أن هناك أمورا متقاربة ومتضادة تتحرك معا فكم كان معاديا النظام الرأسمالي للاشتراكية وكم كان الصراع عميقا وجذريا إلى ابعد الحدود غير أن العدوين اللدودين يومها كانا يتفاوضان ويتصافحان في كل مسألة دون خلط الأوراق.

علة كل تيار إسلامي هيمنة تلك الكراهية التاريخية لمسألة قديمة بين الإسلام واليهودية ولا تزال تسيطر تلك الحساسية العمياء على أمور عدة فيتم الخلط بين التاريخ والسياسة والإيديولوجية العنصرية والديانة فيتم وضع اليهود جميعا في سلم واحد وموقف واحد ولون واحد لهذا بدت المصافحة نمطا من النجاسة فدخل النائب في حالة عرقية وعنصرية.

معتبرا البشر الآخرين نجسين وعلينا التطهر منهم وبهذا التصوير والمثال نؤكد أن الكراهية باتت عاطفة وفكرا مشتركا في ثقافتنا وثقافة كل إنسان عنصري من لديهم أو لدينا فبذلك نرسخ قيمة سوداء لا تدعو للمصافحة أبدا فلكل مصافحة دلالة مختلفة فلا تعبر الكياسة عن التنازل.

كاتب بحريني