«أكبر كارثة إنسانية في هذا العصر». هذه هي اللازمة التي ظل الغرب يكررها لتبرير اندفاع عشرات من جمعيات «الاغاثة» الأوروبية والأميركية والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة نحو دارفور لنشر آلاف مؤلفة من العاملين في هذه الهيئات في أنحاء الإقليم لإقامة معسكرات للنازحين الدارفوريين وتوصيل الأغذية والأدوية إليهم.
الآن فقدت دارفور وصف «أكبر كارثة إنسانية في هذا العصر» لتأخذ مكانها كارثة اللاجئين العراقيين الفارين من فظائع الحرب في بلادهم، مع ذلك لم نر اندفاعا للجمعيات الغربية والمنظمات الدولية.
من ناحية أخرى رأينا الأمين العام للأمم المتحدة يتصدر بضغط من مجموعة الدول الغربية حملة لإرسال قوة عسكرية دولية قوامها 26 ألف جندي إلى دارفور «لحفظ السلام» لكنه الآن يرفض علنا إرسال قوة مماثلة إلى الصومال، فما الذي يجعل الحالتين العراقية والصومالية مختلفتين عن الحالة الدارفورية على صعيدي العمل الإنساني والعمل العسكري؟
إذا أخذنا بتقديرات الحكومات الغربية ـ وهي تقديرات مشكوك في مصداقيتها ـ فان الوضع في دارفور اكتسب لقب «اكبر كارثة إنسانية» لأن عدد النازحين المشردين بلغ نحو مليونين، لكن الآن وحسب تقديرات الغرب نفسه يقارب عدد العراقيين المشردين خارج بلادهم ثلاثة ملايين: نحو مليون ونصف المليون في سوريا وأكثر من ثمانمئة ألف في الأردن. وبالطبع فإن الرقم لا يشمل العراقيين المشردين داخل بلادهم.
في كل من سوريا والأردن وجد اللاجئون العراقيون أنهم عبء على أنفسهم بقدر ما هم عبء على الدولة المضيفة: آلاف الأسر نفد ما كان لديها من مدخرات نقدية وعينية فرت بها من الوطن لينتهي بها الحال إلى التسول وفي بعض الحالات إلى ممارسة الدعارة رغم ما توفر لهم الحكومتان السورية والأردنية من مساعدات في حدود الممكن والمتاح.
ولا يملك أي مراقب موضوعي إلا أن يتساءل: أين هيئة شؤون اللاجئين الدولية ومنظمة إغاثة الطفولة و «برنامج الغذاء العالمي.. هذه الهيئات الكبرى التابعة للأمم المتحدة التي أنشأت كل منها لنفسها مكتبا في الخرطوم لتنظيم أعمالها الميدانية في دارفور؟، هذا إذا لم نتساءل عن جمعيات الإغاثة الغربية.
على صعيد آخر أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أن من المستحيل إرسال قوة حفظ سلام إلى الصومال لأن البلاد في حالة حرب بحيث أن أمن القوات الدولية نفسها لن يكون مضمونا.
نحن إذن أمام مفارقات تناقضية لا تخلو من أجندة سياسية، الغرب يتحمس لترتيب حملة «إنسانية» لأهل دارفور ليبدو أمام العالم منسجما مع مبالغته في تصوير الكارثة الدارفورية. والغرض من هذه المبالغة هو تبرير التدخل العسكري «الدولي» لغايات سياسية بعيدة المدى، ويمتنع الغرب عن إغاثة اللاجئين العراقيين في الخارج لأنه لن يستفيد سياسيا من مثل هذا التحرك.
ومن الناحية العسكرية فإن المراد للقوة الدولية التي تجري الاستعدادات لإرسالها إلى دارفور هو أن تلعب دوراً قتاليا لمحاربة الجيش الحكومي السوداني وميليشيات القبائل العربية المتحالفة معه.
الوضع في الصومال مختلف. إذ لا معنى من وجهة النظر الغربية إرسال قوة قتالية دولية فهناك حكومة عميلة للغرب وجيش أجنبي لدولة موالية للغرب. وكلاهما ـ الحكومة الصومالية وجيش اثيوبيا يقاتلان ميليشيا «المحاكم الإسلامية» المعادية للغرب.
ولهذا أيضا تسقط الحاجة الغربية إلى ترتيب حملة إغاثة إنسانية من أجل تبرير إرسال قوة دولية «لضمان وصول الإغاثة» فلا الحكومة الصومالية ولا القوات الاثيوبية بحاجة إلى إغاثة إنسانية.