تحدثنا في مقال الأمس عن أهمية وجود ميثاق مهني للعاملين في الإعلام المحلي، المرئي والمسموع، وقلنا إنه مهما كان مستوى التزام العاملين في هذه المؤسسات بالأخلاق المهنية، إلا إننا لا يمكن أن نضمن عدم وقوع تجاوزات أو أخطاء تنحرف بالأهداف التي وجدت من أجلها هذه القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية، لاسيما وأن هناك تجاوزات تقع بقصد أو بدون قصد وتعرقل تحقيق الأهداف المنتظرة من الرسالة الإعلامية، سواء أكان ذلك في الإعلام المحلي أم الخارجي الذي يبث وينطلق من أراضي الدولة.
لا يخفى على أي متابع للإعلام وخاصة التلفزيوني التجاوزات التي تقع في حق مجتمعاتنا وقيمها وعاداتها ومع ذلك لا نملك حيالها فعل أي شيء سوى توجيه اللوم إلى أصحاب تلك القنوات الذين تركوا الحبل على الغارب. ولا يخفى علينا دور بعض القنوات في توجيه الآراء نحو اتجاهات فكرية وسياسية تخدم وتغلب مصالح فئات على أخرى دون أن تعرف شيئاً اسمه الحياد أو الموضوعية. لذا فإننا نعتبر مذكرة التفاهم التي وقعها المجلس الوطني للإعلام مع مدينة دبي للإعلام بشأن التراخيص قد جاءت في وقتها.
المذكرة تقضي بحصول مدينة دبي للإعلام على موافقة المجلس الوطني للإعلام قبل إصدار التراخيص الخاصة بالبث الإذاعي والتلفزيوني وإصدار الصحف والدوريات والكتب. وهي مذكرة لا نعتقد أنها تسعى لتقييد حرية الفكر والرأي بقدر ما ستقوم به من ضبط لفوضى إعلامية بدأت تؤثر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على المجتمعات والدول.
وهي مذكرة نثق بأنها ستعزز أهمية الانتقاء النوعي للتراخيص الممنوحة خاصة للبث التلفزيوني بعد انتشار القنوات التي أصبحت أداة لنزع فتيل الخلافات السياسية، أو لبث كل ما يتعارض مع مرتكزات المجتمعات التي تبث منها، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يمكن حصرها، ويكفينا استرجاع مواقف بعض القنوات التي لا تخلو من تطرف سياسي وفكري وتحريضي، أو تلك التي تروج لمسائل مرفوضة دينياً كالترويج للسحر والشعوذة وفتح الأبواب على مصاريعها للغزو الفكري الهدام الذي أصبح يقتحمنا دون استئذان.
أضف إلى ذلك ظاهرة القنوات الفنية التي أصبحت أداة لشغل أوقات الكثير من الشباب وإضاعة أموالهم من خلال شبابيك الدردشة التي يشعر الواحد منا، وهو يقرأ بعضها بالخجل الشديد من جرأة من يقدمون على المشاركة فيها، خاصة إن كان قد علم بتقدم أعمار بعضهم وعلو مناصبهم. حرية الرأي في الإعلام لابد وان تكون وفق ضوابط لأن المتابعين لهذا الإعلام ليسوا على درجة واحدة من التعليم والثقافة، وليسوا جميعا قادرين على غربلة ما يلتقطونه من وسائل الإعلام.
ويكفينا الحال التي آل إليها شبابنا بعد انتشار هذا الكم الهائل من الفضائيات التي أصبحت سموما للعقول قبل السمع والبصر. وتكفينا إساءات صحف مطبوعة لم تلتزم في الماضي الحياد ولا الموضوعية في تعبيرها عن قضايا مجتمعنا. وتكفينا تلك المساحات التي أتحناها للغير فانطلق منها محارباً ومعارضاً أو مشعوذاً، ويكفينا كل ما جنيناه من وراء حرية رأي وإعلام أتاحت فوضى إعلامية نبقى دائما في غنى عنها ومسؤولين عن الحد من سلبياتها.
