على خلفية وضوح البرنامج السياسي/ الاستراتيجي لدولة الاحتلال كما عبر عنه مؤخرا أقطابهم والمتعلق حصرا بـ «الدولة اليهودية النقية»، وكذلك على أرضية معرفتنا الغنية بعقلية ومنهجية وسيكولوجية القوة والعنف والإرهاب الدموي لدى جنرالاتهم.

فإن الاستخلاص الأساسي الذي يمكن الخروج به بلا تردد أن كافة محطات التفاوض السلامية السابقة كانت أكذوبة، وانه لم يكن هناك أي أفق حقيقي لأي تسوية حقيقية، وبالتالي فان أي استئناف لعملية المفاوضات سواء في انابوليس أو ما بعد انابوليس لن يجدي، حيث ستكون المفاوضات على كافة الأحوال عقيمة مغلقة وبلا أي أفق تسووي سياسي حقيقي.

وعليه فإن الفرص الحقيقية للتسوية الدائمة لن تقوم لها قائمة، ولسوف تستحيل إمكانية التوصل إلى مثل هذه التسوية، وحتى لو استؤنفت المفاوضات تحت قهر الضغوطات الهائلة الممارسة على الفلسطينيين

وعلى أرضية مشروع حكومات «إسرائيل» المتعاقبة ومضمونه: التوصل إلى تسوية انتقالية/أي دولة فلسطينية مؤقتة/ طويلة الأمد - وطويلة الأمد لديهم تعني ربما عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة، ولذلك فإن مثل هذه المفاوضات أيضاً ستكون عقيمة،

وستراوح مكانها، فإذا كان الفلسطينيون الذين رفضوا بكافة أطيافهم وانتماءاتهم السياسية مقترحات كلينتون- باراك في كامب ديفيد-2- (التي تجاوزت كافة الخطوط الحمراء الإسرائيلية كما يقولون هم)،

فانه ليس من المنتظر إطلاقاً أن يوافقوا اليوم على أي مقترحات أخرى تقود عملياً إلى تطبيق «خطة شارون» في الدولة المؤقتة التي ترمي إلى تكريس وتخليد الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الصهيوني على كامل أرض فلسطين من الميه الميه،

خاصة وان المقترحات المعروضة اليوم عليهم هي «اقل بكثير من المقترحات التي عرضت عليهم في كامب ديفيد-2- كما اكد حاييم رامون في احدث تصريحاته/عن الصحف العبرية ووكالات/2007/11/22».

ونعود ثانية إلى أدبياتهم السياسية لنذكر بما أعلنه الجنرال شاؤول موفاز وزير الحرب الأسبق الذي كثف لنا في تصريحات لصحيفة«يديعوت احرونوت» جوهر السياسات الاستراتيجية الصهيونية /الإسرائيلية منذ نشأة الحركة الصهيونية مرورا بـ »الدولة العبرية » وصولا إلى المشهد الراهن تجاه الشعب العربي الفلسطيني والقضية والحقوق الفلسطينية ومستقبل العلاقات بين الطرفين بعبارات صريحة واضحة قاطعة.

فقد أعلن موفاز قائلا: «لا اعتقد اننا من الممكن أن نتوصل مع القيادة الفلسطينية الحالية إلى اتفاق سلام، وسنضطر لانتظار الجيل القادم من الفلسطينيين، وأكثر ما يمكن أن ننتظره حاليا هو ربما تسوية انتقالية واحدة»، وعن الدولة الفلسطينية والتسوية الدائمة قطع موفاز: «أنا لا أرى أن ذلك قد يحدث في السنوات القادمة، ويجب أن نعترف أن الشريك الفلسطيني الحالي لا يزودنا بالبضاعة المطلوبة».

فبينما تشرح لنا هذه التصريحات /المواقف الأدبيات السياسية الموفازية النهج الإسرائيلي الراهن على حقيقته المستند إلى «الإبادة السياسية» و«السلام المستحيل» في الاستراتيجية الإسرائيلية،

فانه يحملنا أيضاً إلى البدايات والجذور السياسية والاستراتيجية الصهيونية /الإسرائيلية إزاء ملف الصراع والعلاقات مع العرب، لنفتح ملف و«طبيعة السلام» الذي يبحثون عنه في فلسطين والمنطقة.

ففي مطلع العشرينات من القرن الماضي كان جابوتنسكي - الأب الروحي لزعماء الليكود واليمين الصهيوني - قد خلص إلى استنتاج استراتيجي فيما يتعلق بالعلاقة مع عرب فلسطين رفض فيه «اي إمكانية للتوصل إلى اتفاق سلام مع عرب فلسطين دون بناء الجدار» مؤكدا: الطريق الوحيد الذي يقود إلى التعايش بين العرب واليهود في فلسطين هو من خلال بناء جدار لا يمكن اختراقه».

وبذلك يكون جابوتنسكي قد رفض «أي اتفاقية بين العرب واليهود قبل أن تجهز الصهيونية على فلسطين وقبل أن يتم إقامة الجدار الحديدي». وعلى النهج ذاته كان بن غوريون مؤسس الدولة العبرية قد نظر حول المسألة نفسها في رسالة بعث بها في 9/6/1936 إلى المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية

حيث أصر على: «إن السلام مع العرب هو مجرد وسيلة للوصول إلى الهدف، وحاجتنا إلى اتفاقية ليست من اجل إقامة سلام في هذا البلد، فالسلام بالنسبة لنا هو وسيلة فقط، والغاية هي التحقيق الكامل والتام للصهيونية، ولهذا السبب فقط نحتاج إلى اتفاقية».

وقد أصر بن غوريون على رأيه بأن «اي اتفاقية مع العرب بشأن الهدف النهائي للصهيونية هو أمر يمكن تصوره لكن على المدى الطويل»، موضحا: «أن الاتفاقية الشاملة غير مقبولة الآن، لانه فقط بعد اليأس الكامل من قبل العرب، يأس يأتي ليس فقط كنتيجة لفشل أعمال العنف ومحاولات التمرد - من قبل العرب - بل أيضاً كنتيجة لتنامي وجودنا في البلاد يمكن للعرب أن يذعنوا في ارض إسرائيل اليهودية».

التشابه كبير هنا بين استنتاج بين غوريون واستنتاج جابوتنسكي، فالأول الأب الروحي للحركة العمالية المؤسسة للمشروع الصهيوني وللاستيطان السرطاني، والثاني لليكود واليمين المتشدد.

- فما الفرق إذن ما بينهما وبين لاءات واشتراطات شارون، أو نتنياهو، أو باراك، أو أولمرت مثلا...؟ - وما الفرق بينهما وبين تصريحات وأدبيات الجنرال موفاز المشار إليها أعلاه..؟

- فهل تغير نهج الصهيونية إزاء العرب والتسوية الدائمة معهم..؟!

- أم أن ما يجري اليوم هو ذروة التجسيد لنظريات وتنظيرات بن غوريون وجابوتنسكي؟

كان اسحق شامير في عهده يرفض رفضا قاطعا اي مؤتمر للسلام، وأية تسوية دائمة مع العرب، وأقواله حول مدريد تدوي حتى اليوم، حيث أعلن انه «سيجعل المفاوضات تستمر عشر سنوات دون نتيجة»،ولكن الجنرالات الذين أتوا بعده مددوا المدة الزمنية إلى خمس عشرة سنة، ثم يأتي الجنرال موفاز ليمددها لسنوات قادمة، ثم يتابع أولمرت بعده ليمددها مرة أخرى لسنوات لا حصر لها إلى أن يأتي جيل فلسطيني جديد يقبل بالسلام الذي يبحثون عنه.!

في الصميم لم يكن شامير يؤمن بغير القوة والإرهاب..! واسحق رابين لم يختلف عنه في الجوهر إذ نظر كثيرا لسياسة الساقين: الساق العسكرية - اي استخدام السلام والقوة والبطش ضد الفلسطينيين، وقد اشتهر آنذاك بأنه وزير قمع الانتفاضة، والساق السياسية - اي التفاوض والتفاوض حتى يرضخ العرب للشروط والاملاءات الإسرائيلية نتيجة لاستخدام الساق العسكرية.

وكان شمعون بيريز سفاح قانا توام رابين في النهج. أما الجنرال باراك ووزير الحرب اليوم في حكومة أولمرت فكان ربما خير وأفضل من صاغ سياسة القوة الإسرائيلية حينما أعلن أكثر من مرة: «ان انتصار الصهيونية لن يكتمل إلا بالسلام مع جميع جيراننا»،

أما السلام الذي أراده باراك فيستند حسب اعتقاده وكما أوضح إلى: «أن إسرائيل أقوى دولة في محيط 1500 كيلومتر، وإلى «أن إسرائيل دولة قوية جدا، وعندما أتحدث عن القوة لا اقصد فقط الجيش الإسرائيلي، وإنما القوة الشاملة بدءا من معهد وايزمان وفرقة بات شيبع والفرقة الفيرهمونية، ووصولا إلى المفاعل النووي في ديمونة».

كان المحلل الإسرائيلي «الوف بن» قد أطلق على السلام الذي يريده باراك اسم «السلام المسلح»، ثم واصل نتنياهو نهج باراك، ثم جاء شارون ـ البلدوزر ـ ليواصل السياسة ذاتها، ثم يأتي اولمرت ليواصل طريق شارون كما أعلن أكثر من مرة.

والسلام الذي أراده ذلك البلدوزر-شارون- يقوم على أساس «اختفاء الطرف الآخر الفلسطيني سياسيا وحقوقيا» كما يؤكد الكاتب والباحث الإسرائيلي ميرون بنفنستي وبعد «أن يتم تفكيك البنية التحتية للإرهاب الفلسطيني، واستكمال بناء الجدار» الذي اخذ يفرخ عشرات الجدران الأخرى..».

فهل يرى احد يا ترى اليوم أن الثلاثي اولمرت وليفني ومعهما باراك مرة أخرى يحملون لنا غير تلك الأجندة الجابوتنسكية /الشارونية سواء في انابوليس أو ما بعده...؟! ولذلك من المفيد دائما أن نتوقف أمام خرائط الحرب الاحتلالية الحقيقية التي تجري هناك على الأرض الفلسطينية، وأمام أدبيات وطبيعة السلام الذي يريدونه ويبحثون عنه ويسعون لابتزازه منا، السلام الذي كثفوه لنا بالإجماع بضرورة الاعتراف الفلسطيني والعربي بـ «الدولة اليهودية».

كاتب فلسطيني

naufzaru@yahoo.com