إذا أردنا معرفة ما سيتمخض عنه غدا الثلاثاء مؤتمر أنابوليس الأميركي، فعلينا معرفة ما تمخضت عنه محاولات اختيار رئيس جديد للبنان الذي بدا عاجزاً رغم كل تلك الجهود اللبنانية والعربية والدولية الماراثونية عن وضع قدمه على أول طريق حل معضلة الرئاسة والخروج من هذا المأزق التاريخي المفتوح على المجهول.
ذلك أن المايسترو هو ذاته في كلتا التجربتين كما في تجارب أخرى قاسية تعيشها المنطقة وهو الذي يحرك خيوط اللعبة في جميع الاتجاهات ويعمل على إدامتها بقدر ما يستطيع خدمة لمصالحه الحيوية في المنطقة المتعارضة تماما مع مصالح شعوب المنطقة في الأمن والسلم والاستقرار.
من الناحية الموضوعية، لم تشهد المنطقة أي تغييرات أو تطورات ترقى إلى مستوى المسوغات الحقيقية التي قد تستدعي عقد مؤتمر من هذا النوع، فموازين القوى لا تزال على حالها لم يطرأ عليها أي تغيير منذ عشرات السنين والقوى المسيطرة والضامنة لثبات تلك الموازين
هي ذاتها وكذلك توجهاتها وتصوراتها ومصالحها، وهي ليست مضطرة في أي حال من الأحوال إلى الإقدام على أي تغيير ومن أي نوع كان، طالما أن مشروعها يسير بالاتجاه الصحيح ويحقق لها كل ما تتوق إليه وربما أكثر من ذلك بكثير.
على الأرجح أن مبادرة عقد مؤتمر أنابوليس الأميركي جاءت جراء مجرد زلة لسان ارتكبها الرئيس بوش عندما وعد في أحد خطاباته الكثيرة بعقده خلال خريف هذا العام، وبما أنه يشغل منصب رئيس أقوى دولة في العالم،
فإنه لم يكن من المناسب أو اللائق التراجع عن ذلك الوعد والاعتذار عن تلك الغلطة، ما استدعى ضرورة التعامل مع دعوة الرئيس وكأنها دعوة حقيقية، فشمرت الخارجية الأميركية عن ساعديها وحشدت بمساعدة حلفائها في المنطقة كل ما يلزم من العناصر الضرورية
من حيث الشكل لإنجاح هذه المبادرة الكلامية، التي تحولت على ضوء فشل جميع المفاوضات الخاصة بها من مبادرة تسعى إلى إعلان مبادئ بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مجرد مبادرة علاقات عامة أميركية لا ضير فيها إن حققت بعض الاختراقات الإضافية في جدار تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية وتثبيت أواصر العلاقات الرسمية العربية ـ الأميركية.
إن مجريات الأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة تشير بوضوح إلى أن الفارق الوحيد بين ما يسمى مؤتمر أنابوليس الأميركي وأي اجتماع إقليمي من سلسلة الاجتماعات التي تعقدها عادة وزيرة الخارجية الأميركية رايس في المنطقة يكمن في زلة اللسان الرئاسية تلك، التي لولاها لكان هذا «المؤتمر» مجرد حلقة من حلقات تلك السلسلة من الاجتماعات، التي تهدف إلى ترتيب الأدوار التفصيلية وتوزيعها على لاعبيها بالطرقة المدرسية المعهودة.
لكن الإدارة الأميركية بالغت في غيها وغرورها فيما يتعلق بزلة اللسان تلك التي أنجبت مؤتمر أنابوليس الأميركي، فمنحته أجنحة تمكنه من التحليق عاليا في أجواء تاريخ القضية الفلسطينية، مسجلة بذلك انعطافة تاريخية في مسيرتها الطويلة والمضنية وذلك بتحويلها من قضية وطنية عادلة تخص شعب
وقومية بأسرهما إلى مجرد قضية علاقات عامة تخص حفنة ضئيلة من الأشخاص متعددي الجنسيات، الذين يتشدقون ليل نهار بكل ما هب ودب من العبارات المنمقة المفعمة بالمعاني الإنسانية ويقطعون في الوقت نفسه سبل العيش عن شعب محاصر في غزة.
يبدو أن المنطقة العربية هي الوحيدة في العالم التي لا تزال تغلب لغة القيم والمبادئ على لغة المصالح أو هكذا يتهيأ لها على أقل تقدير، إذ لم يعد هناك متسع للاعتقاد بغير أن المطلوب أميركيا وصهيونيا هو الاعتراف بيهودية الدولة العبرية من جانب والتطبيع الكامل بين العالم العربي والدولة العبرية من الجانب الآخر،
أما ما خلا ذلك فإنه مجرد هراء لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يغير على الإطلاق الوقائع المفروضة على الأرض بقوة السلاح وحدها، التي بات لها أجنحة تحلق بها وألسنة تعبر عما تريد من خلالها إلى درجة لم تدع معها مجالا للغوص في أي تحليلات حول أوضاع المنطقة،
عملا بمقولة: إذا حضر الماء بطل التيمم، فها هي أركان إدارة المحافظين الجدد في البيت الأبيض تصرخ على رؤوس الأشهاد ليل نهار وتقول إن مبدأ «الفوضى البناءة» هو نقطة الارتكاز الأساسية التي تقوم عليها السياسة الأميركية الخارجية بعد أن ثبت بالملموس أنه الوسيلة المثلى
لتحقيق مصالح الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم وإدامة هيمنتها عليه، ما يعني أنه من العبث بمكان الاعتقاد بأن هذه القوة المهيمنة ستخرج من جلدها ذات مرة وترتدي حلة مختلفة تنادي بقيم السلم والعدل والمساواة، عملاً بمقولة: فاقد الشيء لا يعطيه بل يمعن في تدميره.