أصبح واضحا الآن الارتباط الشديد بين السياسة والاقتصاد وبين الأمن والاقتصاد، وبين اشتعال الأزمات السياسية والتوترات الأمنية وبين اشتعال الأسعار عموما وأسعار الطاقة كسلعة استراتيجية خصوصا .
وبعد سبع سنوات من القمة الثانية في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، استضافت الرياض القمة الثالثة لدول الأوبك التي تضم المنتجين في ظل ارتفاع غير مسبوق لأسعار النفط وتوتر سياسي غير مسبوق حول مناطق الإنتاج العالمية .
وحمل إعلان الرياض رسالة تعاون من المنتجين إلى المستهلكين، حيث أكدت دول الأوبك التزامها بالأهداف الأساسية للمنظمة وباستقرار السوق النفطية العالمية وتحقيق الازدهار الاقتصادي والتنمية والحفاظ على البيئة، ومن جانب آخر أكد الإعلان على عنصر هام هو حق الدول المنتجة في مواردها النفطية وإدارتها لضمان حياة أفضل للأجيال القادمة.
كما قدمت القمة إجابتها على السؤال الذي تردد مع الارتفاع القياسي غير المسبوق للأسعار حول مسؤولية الأوبك عن ارتفاع الأسعار، بتأكيد اهتمامها باستقرار أسواق الطاقة العالمية بتوفير الكميات الملبية للطلب في الوقت المناسب لتحقيق التوازن بين العرض والطلب لتجنب الآثار السلبية من الارتفاع المغالى فيه للأسعار ومن عدم استقرار وتوازن السوق على الاقتصاد العالمي سواء المستهلكين أو المنتجين التزاما من أوبك بأهدافها ومبادئها.
كما عكس حرص القمة على تأكيد العلاقة المتبادلة بين أمن الطلب مقابل أمن العرض، وتعاون جميع أطراف السوق النفطية العالمية سواء من المنتجين أو المستهلكين لتجنب تذبذب الأسعار وتحقيق الاستقرار. ورغم أن المؤتمر الذي بحث التأثيرات السلبية لانخفاض الدولار بصورة متتالية على قيمة العوائد النفطية للدول المنتجة، لم يتخذ بشأنها قرارا حاسما فيما يتعلق بعملة تسعير نفطها.
ورغم أن القمة لم تقدم على خطوة حاسمة على غرار مجموعة «ميركوسول» اللاتينية بإنشاء صندوق لتعويض الدول النامية الفقيرة غير المنتجة للنفط. إلا أن أهمية هذه الدورة أنها لم تكرس اهتمامها لمصالح المنتجين فقط بل وللمستهلكين أيضا، ولم تقتصر على بحث القضايا الاقتصادية النفطية فقط بل أيضا قضايا البيئية والأمنية العالمية كالاحتباس الحراري وأمن الطاقة المستقبلية.
لقد دفع ارتفاع أسعار النفط إلى هذه المستويات القياسية والاتجاه نحو 100 دولار للبرميل الواحد في ظل التوقعات باستمرار مسلسل الارتفاع في المدى القريب، بما يهدد بأضرار اقتصادية سلبية على المستهلكين والمنتجين على المدى البعيد، إلى التساؤل عن الأسباب الدافعة إلى هذه الموجة الجديدة من الارتفاع.
وبينما أشارت التقارير الاقتصادية المختلفة إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بقانون العرض والطلب، إذ ليست في حجم المعروض العالمي من النفط الخام وإنما في الاضطرابات الأمنية والسياسية في مناطق الإنتاج، وفى المضاربات في الأسواق النفطية، وفي زيادة الطلب المتنامي، وفى نقص حجم المخزون الاحتياطي لدى بعض الدول الكبرى، وأخيرا في نقص حجم المعروض من النفط المكرر وفى تدهور قيمة الدولار.
ونظرا لأن هذه الأسباب بطبيعة الحال لا ترجع إلى سياسات الأوبك بل إلى سياسات بعض الدول الكبرى المستهلكة «بإدمان مفرط»، وإلى سياسات التسخين السياسي والعسكري من جانب تلك الدول حول مناطق الإنتاج الرئيسية، مثلما يحدث الآن في العراق ومن تهديد وتصعيد ضد إيران حول قضية الملف النووي، والاضطرابات في مناطق كثيرة للإنتاج في أفريقيا ..
إضافة إلى المضاربات التي تنشط بسبب القلق والمخاوف الناتجة عن هذه التهديدات لدول الإنتاج تدفع بالأسعار إلى سلسلة ارتفاعات خارج سيطرة المنتجين والمستهلكين، وقدرة التكرير المحدودة على توفير الكميات المطلوبة،
وكشفت التقارير أن الاختناقات الكبيرة في مصافي التكرير الأميركية هي التي تسببت في الموجة السابقة لارتفاع الأسعار القياسية السابقة، وبالتالي فإن الأسباب لا تعود إلى سياسات المنتجين.
حيث يبدو الحل في وقف مسلسل استخدام القوة العسكرية من جانب الدول الكبرى لحل المشاكل السياسية أو للسيطرة على مناطق الإنتاج، وإشاعة عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة العربية والإسلامية والأفريقية المصدر الأكبر للطاقة العالمية.