خلال زيارته الأخيرة للصين حاول وزير المالية الأميركي جون سنو أن يضغط قدر استطاعته لكي ترفع الصين سعر صرف عملتها، ولكي تصبح أسعار بضائعها أغلى بالنسبة للمستهلك الأميركي. وقد تبدو هذه السياسة غريبة بالنسبة للمواطن في أميركا أو أي بلد في العالم.
الناس العاديون يصعدون حركاتهم الاحتجاجية للضغط على الحكومات والتجار كي لا ترتفع الأسعار. أما الرئيس الأميركي فيذهب إلى المتجر الصيني ليشتري بأسعار أعلى. وهذه ليست مهمة فريدة من نوعها. فلقد سبق سنو في مثل هذه المهمة وزراء أميركيون سابقون
مثل جون كونالي وجيمس بيكر عندما أرسلا إلى بعض البلدان في مهمات مشابهة للبحث في أسعار الصرف المحبذة من وجهة النظر السياسية الأميركية. ففي مقابل الآفاق الانتخابية القاتمة للحزب الجمهوري وقلق فقدان الكثير من أماكن العمل يحمل الرئيس البلدان التي تخفض أسعار عملاتها وبضائعها المسؤولية.
من جهة ثانية صرح مسؤول في وكالة الطاقة الدولية قبل أيام بما يتعارض وآليات السوق حين قال ان السعر الحقيقي لبرميل النفط يجب أن يكون في حدود 20 دولاراً فقط! كما تمارس الولايات المتحدة وبعض المؤسسات المالية ضغوطاً على بلداننا من أجل الإبقاء على عملاتها الوطنية مرتبطة بالدولار، كي تواصل انحدارها كما الدولار.
ومن أجل ذلك يسوق في منطقتنا لآراء لا تتسق والمنطق الاقتصادي لتبرير جدوى الارتباط بالدولار، رغم الضغط الاجتماعي المتزايد من أجل فكه. مثلاً، في عمان قال مسؤولون قبل أيام ان الارتباط بالدولار يحفز على الاستثمار في الاقتصاد العماني.
والمعروف أن انخفاض سعر صرف عملة أي بلد يضعف جاذبيتها أمام المستثمر، إذ أن العائد بهذه العملة سيكون أقل. وهذا بالضبط ما يعاني منه الاقتصاد الأميركي الآن. تحاول غالبية بلدان مجلس التعاون بتفاوت اتقاء الآثار السلبية للارتباط بالدولار.
ومن بين هذه الإجراءات إعلان البحرين «حلاً وسطاً» بأنها سترتبط بالريال السعودي في حال فكت بلدان الخليج الأخرى ارتباطها بالدولار. ومما يشير إلى أن مثل هذا التردد يحدث تأثير الضغوط السياسية فإنه يأتي بالرغم من تأكيدات مؤسسة «اس آند بي» بأن تغيير نظم الصرف في دول «التعاون» لن يؤثر في جدارتها الائتمانية.
ولمزيد من الضغط لا يوفر المسؤولون الأميركيون فرصة إلا وحملوا بلدان الخليج وأوبك مسؤولية أوضاع الاقتصاد الأميركي الحرجة. لكن المصلحة الوطنية في مواجهة هذه الضغوط تقتضي ألا نوقف الطرق والحديد ساخن.
الحقيقة أن الولايات المتحدة تتبع ما تمليه مصالح فئات اجتماعية ضيقة فيها بالضد من مصالح العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة كما سنرى. لنعد إلى شيء من تاريخ الدولار. تحدثنا الأسبوع الماضي عن أن الدولار فقد ثقة العالم بعد تخفيضه بنسبة 41% فجأة عام 1934.
لكن أميركا استطاعت أن تفرضه من جديد على بلدان العالم الرئيسية التي أنهك اقتصادها بنتيجة الحرب العالمية الثانية وفق اتفاقية بريتن وودز. على مدى العشرين عاماً بعد الحرب عرف العالم عملتين رئيسيتين: الجنيه الإسترليني والدولار الأميركي.
لكن الجنيه ضعف في نهاية الستينات حتى فقد اهتمام الأسواق به. في مكانه ظهر الين والمارك ـ عملتا اليابان وألمانيا (الغربية) اللتين هزمتا في الحرب، لكنهما أعادتا بناء قدراتهما الاقتصادية من جديد. مارست أميركا في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ضغوطاً على الألمان واليابانيين كي يرفعوا سعر صرف عملتيهما.
استجاب الألمان، أما اليابانيون فلم يفعلوا، ووضعوا الأميركيين في «حيص بيص». العالم الغربي، ومعه اليابان، كان يجادل بأن أميركا هي التي صدرت التضخم للعالم وأساءت استخدام نظام النقد العالمي، خصوصاً بعد تزايد تكاليف تمويل مغامرة الولايات المتحدة بشن حربها القذرة على فيتنام.
ولكي تحمل أميركا العالم أعباء هذه الحرب عمدت في أغسطس 1971 إلى تدمير النظام النقدي العالمي. فقد أوقفت من جانب واحد مبادلة الدولار بالذهب ـ وهو السعر التبادلي الذي أقره مؤتمر بريتن وودز.
وبذلك أجبروا اليابانيين على رفع سعر صرف الين بنسبة 9. 16%. عندها قال جون كونوللي، وزير المالية الأميركي في عهد الرئيس نيكسون لنظرائه الأوروبيين عبارته التهكمية المشهورة: «الدولار عملتنا نحن، لكنه مشكلتكم أنتم».
في زمننا الراهن يواجه الدولار دفعة واحدة تحدياً من قبل عدة عملات عالمية: اليوان الصيني واليورو والروبية الهندية والبيزو البرازيلية والروبل الروسية وغيرها. وكما في السبعينات والثمانينات لا يزال لدى الولايات المتحدة سلاح قوي في الحرب النقدية، حيث أنه لا يزال بحوزة بلدان العالم الأخرى كثير من الدولارات.
فما يصل إلى 46% من مجموع ما أصدرته أميركا من سندات الخزانة يوجد خارج أراضيها. لكنه بما أن العالم يتوقع استمرار الانخفاض في سعر صرف الدولار فإن البلدان الأخرى تستطيع منذ الآن أن تقوم بضربة استباقية ببيع الدولارات التي بحوزتها بأرخص مما هي. لكن الأساس يبقى الوضع الحرج للاقتصاد الأميركي ذاته.
فهو أمام نوعين من المخاطر: تباطؤ النمو وارتفاع التضخم. وكل منهما مرض يحتاج إلى علاج منفصل. حاول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي في خطابه أمام الكونغرس قبل أكثر من أسبوع أن يوعز تباطؤ النمو إلى عدم استقرار أسواق المال والتشدد في معايير الإقراض والهبوط المستمر في أسعار المساكن التي تحبط استعداد المستهلكين
لإنفاق المال، وكذلك انكماش استثمارات المؤسسات كرد فعل على الآفاق الاقتصادية الضيقة، وأن يوعز خطر التضخم إلى الارتفاع «الجنوني» في أسعار النفط والمواد الخام الأخرى وانخفاض سعر صرف الدولار. غير أن برنانكي كان يتحدث في الحقيقة عن علامات الأزمة وليس أسبابها.
كاتب بحريني