كانت علامات الدهشة تكسو وجه زميلي في اجتماع التحرير وهو يدفع إلي بالملحق الاقتصادي الصادر مع إحدى الصحف المحلية طالباً مني قراءة الإعلان المنشور على الصفحة الأولى منه.
لم يكن حجم الإعلان كبيراً، ولم يكن الإعلان نفسه عن دواء جديد لعلاج الصلع أو وسيلة جديدة لزراعة الشعر في الرؤوس المتصحرة، ولا تقنية مبتكرة لتبييض الأسنان، ولا طريقة عبقرية لإنقاص الوزن أو شفط الدهون، ولا جهاز حديث لتصحيح النظر، ولا فرصة ثمينة لامتلاك بيت أو شقة بأحد المشاريع العقارية الجديدة!
كان الإعلان الذي خرج عن هذه الباقة المسيطرة على أغلب مساحات الإعلانات في الصحف والمجلات والملاحق المتخصصة ـ مثيراً دهشة زميلي التي انتقلت إلي ـ عن محطة فضائية تعرض تأجير ساعات بثها بالقطعة لمن يرغب في ذلك تاركة له حرية أن يعرض فيها ما يشاء بسعر زهيد لا يتجاوز 2500 درهم للساعة الواحدة.
ربما لم يكن الإعلان سيثير الدهشة والاستغراب لو كان عن تأجير غرفة في شقة، أو سرير في غرفة كما هو سائد حاليا في ظل أزمة السكن الخانقة التي يعاني منها الجميع وارتفاع الإيجارات الذي يبدو أنه لا سقف له.
أما أن يكون الإعلان عن تأجير مساحات من البث في محطة فضائية فهو أمر يستحق الدهشة التي لم أملك إلا أن أشارك زميلي فيها دون أن أجد تعليقاً مناسباً بعد أن أصبحنا في زمن فقد الاندهاش فيه بريقه ولم يعد له وقعه في النفوس التي ألِفَت كل ما هو غير مألوفٍ ومنطقيٍ ومتفقٍ مع العقل وطبيعة الأشياء.
مرت أيام كدت أنسى خلالها موضوع القناة المعروضة للتأجير بالساعة لولا أن جمعني لقاء ببعض الأصدقاء لبحث موضوع ثقافي عندما انبرى أحد الحضور مقترحاً - من باب المزاح - أن نطلق قناة فضائية بعد أن زار إحدى القنوات الفضائية التي كانت تبهره ببرامجها ففوجئ بأنها تبث من غرفة صغيرة لا تصلح لسكن عازب، وكان يظن أن زمن المحطات ذات الاستوديوهات الكبيرة والهوائيات التي تعانق السماء ما زال قائماً.
صديق ثالث تدخل في الحوار قائلاً إن إطلاق قناة فضائية لم يعد يكلف أكثر من مليوني درهم ومكان أصغر من غرفة بواب، مؤكدا أن دخلها لن يقل بأي حال من الأحوال عن عشرة آلاف درهم في اليوم الواحد كما أخبره صديق يمتلك قناة فضائية غنائية،
مضيفاً - والكلام لصاحب القناة - أنه يمكن برمجة موادها لأيام عدة وإقفال الغرفة عليها، وبعد ذلك - والتعليق من عندنا هذه المرة - يمكنه أن يذهب لإطلاق قناة ثانية وثالثة وعاشرة وهو مطمئن إلى أن الدخل سيذهب إلى حسابه مباشرة من عائد الرسائل الهاتفية التي ستستقبلها هذه القنوات على مدى ساعات بثها الأربع والعشرين المتواصلة دون انقطاع.
ربما لا يبدو هذا الكلام غريباً لمن لم يمارس العمل التلفزيوني أو يطلع على خفاياه أو التحق به في غفلة من زمننا العجيب هذا، لكنه بالنسبة لأولئك الذين شهدوا بدايات البث التلفزيوني وعاصروا تأسيسه أكثر من غريب، ليس من حيث سهولة البث وتَقدُّم التقنية التي لا خلاف على أنها سهلت الكثير من الأمور،
واختصرت الكثير من الوقت، وأزالت الكثير من العوائق الهندسية التي كان يعاني منها البث التلفزيوني عندما كان أرضياً، وقضت على مشاكل محدودية القنوات الأرضية وتداخلها، وعقبات التضاريس وظروف المناخ التي كانت تحول دون وصول البث إلى بعض المناطق ووضوحه في بعض الأوقات وانقطاعه في بعضها،
وما إلى ذلك من مشاكل الاستقبال التي كان يعاني منها المشاهدون قبل إطلاق الأقمار الصناعية واتساع الفضاء لكل هذا العدد الهائل من القنوات التي أصبحت تضيق عن الحصر، وتتصارع على وقت المشاهد الذي لم يعد يتسع لمشاهدة هذا السيل المنهمر عليه من الفضاء، حاملاً معه الكثير من الغث والقليل من السمين، عارضاً عليه بضاعته متعددة الأشكال والألوان.
وجه الغرابة لا يكمن في سهولة البث - كما قلنا - وإنما في استسهال عملية إطلاق القنوات وتحولها إلى عمل تجاري بحت، محطماً كل النظريات التي درسها طلبة الإعلام في الجامعات؛ تلك التي تعب في وضعها أساتذة علوم الاتصال الجماهيري،
وحددوا لها عناصر وأهدافاً على مدى عقود من الزمن، غير واضعين في اعتبارهم أن هناك من سيأتي لينسف كل هذه القواعد تحت إلحاح الربح المادي السريع، مداعباً الغرائز، مستغلاً جهل الناس وخوفهم من المجهول، مثيراً النعرات الطائفية والمذهبية، وأشياء أخرى كثيرة شرحها يطول.
واضح أننا قد انتقلنا من عصر القنوات المتخصصة التي شملت كل المجالات لندخل عصراً جديداً هو عصر قنوات الـ «تايم شير» أو ما يسمى ب«بيع الوحدات وفق نظام اقتسام الوقت» المنتشر في قطاع الخدمات السياحية.
وهو نظام نعتقد أن دخوله عالم التلفزيون سيحدث فوضى تفوق الفوضى الموجودة حالياً؛ فوضى لا نظن أنها ستكون خلاقة حسب تعبير الإمبراطورية الأميركية الحديثة، فبعد أن كنا ننتقل من قناة دينية إلى أخرى غنائية،
إلى ثالثة متخصصة في عروض الزواج، إلى رابعة مختصة بشؤون الطبخ، سنشاهد كل هذا المزيج العجيب على قناة واحدة سوف تنقلنا من حديث ديني إلى فاصل من الرقص العشوائي، إلى طبق سوف يقدمه لنا الشيف رمزي أو أسامة،
إلى حوار سياسي من العيار الثقيل، إلى رقية أو حجاب من مشعوذ فضائي أنيق... وهكذا حتى تدور رؤوسنا فلا نعود نعي شيئاً مما نسمع ونرى ونتلقى. وسوف ننتقل من اللغة العربية إلى الهندية، إلى الماليالم، إلى الفارسية، إلى الإنجليزية، إلى الفرنسية... إلى غيرها من لغات العالم المختلفة، مقدمين أصدق صورة للعولمة التي لا صوت يعلو على صوتها هذه الأيام.
الذين درسوا الإعلام وفق القواعد العلمية المتعارف عليها - حتى هذه اللحظة من الزمن المتغير - يعرفون أن هناك عوامل سبعة تحدد العلاقة بين تأثير الإعلام على الرأي العام. هذه العوامل هي: مصدر الرسالة الإعلامية أو الذي يتحكم فيها،
ومحتوى الرسالة ومضمونها، ووسيلة نقل الرسالة ونشرها بين الجمهور، والجمهور المستهدف بالرسالة، والظروف المحيطة بها (المستوى الاجتماعي والثقافي... إلخ)، والهدف المقصود من الرسالة الإعلامية، والتأثير المتوقع منها.
تُرى ما الذي سنخرج به إذا طبقنا هذه العوامل السبعة على الرسالة الإعلامية التي ستحملها قنوات الـ «تايم شير» بمصادرها المجهولة التي ستتحكم فيها، ومحتواها متعدد الأطياف والميول والأهواء، وأهدافها الغامضة والواضحة، والظروف المحيطة بها في ظل التردي الذي تعيشه الأمة (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً... إلخ)؟ وما هو التأثير المتوقع منها؟
أسئلة نطرحها بعد أن نتجاوز مرحلة الدهشة كي لا نفقد عقولنا بعد أن فقدنا البوصلة التي ترشدنا إلى الطريق الصحيح، وبعد أن أصبحت حياتنا كلها تسير وفق نظام تقاسم الوقت والسباق المحموم مع الزمن، ولم نعد نعرف مواقع أقدامنا على الأرض، فهل نجدها في الفضاء المزدحم بالأقمار بعد أن أصبح بإمكاننا استئجار ساعات منه بهذا السعر الزهيد الذي يقدمه الإعلان لنا ليفتح كل واحد منا لنفسه دكاناً فضائياً صغيراً يبيع بضاعته من خلاله؟
كاتب إماراتي
