في سعيها لتأمين حضور عربي واسع، لمؤتمر أنابوليس، عرضت إدارة بوش على الدول العربية عدة محفزات. أهمها أن يقوم الرئيس بوش نفسه بتسليم الوفود رسالة تطمين تؤكد التزامه بمبدأ الدولتين. كما عرضت تشكيل لجنة متابعة لمسار «عملية السلام»، الإسرائيلي ـ الفلسطيني. كذلك اقترحت واشنطن عقد الجولة التالية من المؤتمر في موسكو، للمسارين السوري واللبناني.

طمأنة المدعوين المكتوين، مراراً وتكراراً، بنار المؤتمرات والاتفاقيات السابقة التي بقيت حبراً على ورق؛ خطوة لا بأس بها وضرورية. لكنها بقدر ما هي مرغوبة، هي غير كافية. التأكيد على مبدأ الدولتين، ما عاد وحده يفي بالمطلوب. لقد جاء وقت الالتزام بترجمته.

الدول العربية المدعوة إلى أنابوليس، قررت؛ بعد تردد وترقب طويلين، المشاركة على المستوى الوزاري. البرودة تجاه هذه التظاهرة الدبلوماسية، كان لها ما يبررها. السوابق، لا تشجع، اللدغات والخيبات كانت كثيرة.

الالتفافات الإسرائيلية على التعهدات والتراجع عن التواقيع والالتزامات؛ مرت من دون مساءلة بل جرت التغطية عليها وتوفير الحماية لها. في كل مرة كانت الإدارة الأميركية تتولى تسويق المزاعم الإسرائيلية أو في أحسن الحالات تسكت بخصوصها. وإذا نطقت فبخجل ورفعاً للعتب.

عدد المؤتمرات بات لا يحصى. والحصيلة على الأرض زاد سوؤها وترديها: الاستيطان توسع؛ الجدار تمدد، الحصار اشتد وتمادى. ومثله وأكثر الاجتياحات والاغتيالات وسياسة الحواجز الخانقة.

على هذه الخلفية كانت الشكوك العربية والفلسطينية في محلها. ثم إن إسرائيل أرادت من هذه المناسبة فرصة تطبيعية. وسائل إعلامها وتصريحات لمسؤولين فيها، تحدثت عن ذلك جهاراً، وزاد من الشكوك أن إسرائيل أبدت الكثير من التحايل والتعنت بخصوص مقدمات انابوليس. رفضت تنفيذ المرحلة الأولى من «خريطة الطريق».

أبدت ممانعة قوية لربط التفاوض على القضايا النهائية، بجدول زمني. ولا حتى تقريبي. تمسكت في ذلك بذرائع واهية. كذلك راوغت وزرعت العوائق والعقبات، في طريق انجاز وثيقة مشتركة مع الجانب الفلسطيني؛ تكون بمثابة الأساس أو الدليل لاجتماع أنابوليس.

موضوع الاستيطان وتوسعاته بقي هو الآخر، يلفه الضباب. الجانب الفلسطيني صرف النظر عن موضوع الوثيقة، قبل انابوليس. ربما لسحب الذرائع من يد إسرائيل ارتضى بمتابعة البحث فيها ولغاية انعقاد المؤتمر. وحتى الأسرى (430) الذين وعد اولمرت بالإفراج عنهم كبادرة «حسن نية»! حصل تجميد ومماطلة بخصوصهم. غادر إلى واشنطن قبل إخلاء سبيلهم.

مع كل ذلك قرر العرب والفلسطينيون، اختبار النوايا، مرة أخرى ولو أن في الأمر مجازفة، وهي مجازفة مبنية ليس فقط على السوابق المخيبة. بل أيضاً على ملابسات هذا المؤتمر وتوقيته، فقد قضى الرئيس بوش سبع سنوات في البيت الأبيض، من دون ان يبدي أية رغبة في تحريك «عملية السلام» والمفاوضات، التي دخلت الثلاجة منذ نهاية ولاية سلفه كلينتون عام 2000.

بل انه لم يبد أي اهتمام بالملف أصلاً، تجاهله؛ كما يقول عنه بعض معاونيه الذين تركوا إدارته. كل ما صدر عنه انه يؤيد إقامة دولة فلسطينية. وعام 2003 طلع بمبادرة «خريطة الطريق»، التي تركها تضيع طريقها؛ في دهاليز الهروب الإسرائيلي من السلام ومتطلباته.

اليوم قبل سنة من نهاية رئاسته وبعد ثماني زيارات للوزيرة رايس إلى المنطقة يصر على عقد هذا المؤتمر، لكنه لا يزال يصر على رفضه حمل إسرائيل على القبول بتسوية. ناهيك عن رفض نائبه تشيني. فقط يعد برسالة تطمين. فضلا عن تطمينات الوزيرة رايس. وعود على المحك.