لأن مؤتمر «أنابوليس» على الأبواب، ولأن أميركا اختارت له موعداً في نوفمبر، وكانت تريده قريباً أو متزامناً مع موعد زيارة السادات إلى القدس قبل ثلاثين عاماً، فإن إسرائيل لم يكن ممكناً أن تترك المناسبة تمر دون تحرك يربط ما حدث قبل ثلاثين عاماً بالقادم بعد أيام.

وهكذا كانت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت إلى مصر ولقائه بالرئيس مبارك في شرم الشيخ واستحضاره لذكرى زيارة السادات، وتحريك الوفد الإعلامي المرافق لمحاولة انتزاع تعهد من الرئيس المصري بزيارة إسرائيل التي لم يزرها منذ توليه الرئاسة رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية المتوالية.

محاولة الربط بين زيارة السادات للقدس قبل ثلاثين سنة، ومؤتمر «أنابوليس» لا تستهدف فقط تسويق المؤتمر المقبل، ولا الضغط على الفلسطينيين والعرب لحضور المؤتمر حتى وهم يعرفون أنهم لن يحصلوا على شيء، بل ويراد منهم تقديم المزيد من التنازلات المجانية.

وإنما تستهدف أيضاً التأكيد على المقولة الكاذبة ان الفلسطينيين والعرب ضيعوا فرصة أكيدة بعدم الالتحاق بالسادات، ولو كانوا قد فعلوا ذلك لكانت المنطقة تعيش منذ سنوات في سلام ووئام، وكانت الدولة الفلسطينية قد قامت، والأرض السليبة قد عادت، والشرق الأوسط الآمن المستقر المزدهر قد قام برعاية أميركية مباركة!!

وبغض النظر عن موقفنا من «مبادرة» السادات، أو الحكم عليها يومها أو الآن (باعتبار أن البعض يعيدون النظر في موقفهم منها بعد مرور السنوات) فإن الحقيقة التي ينبغي ألا تتوه وسط الجدل الذي لن ينقطع عن الزيارة،

هي أن السادات كان يعرف منذ البداية وحتى النهاية أنه ذاهب إلى حل منفرد، وكان منطقه في ذلك أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر سيئة، وأنه في ظل السلام وتكريس كل الموارد للتنمية، والمساعدات الأميركية الموعودة، ستكون مصر في مركز أقوى لمساعدة الفلسطينيين لحل مشكلتهم!

وبالطبع فإن الأنظمة العربية كانت تتحمل ـ ومازالت حتى الآن ـ جزءاً من المسؤولية عن عدم استخدام الموارد المالية العربية التي تضاعفت بعد حرب 73 الاستخدام الأمثل الذي يزيد القدرة العربية ويساعد على بناء القوة وتحقيق التنمية من منطلق عربي يتحمل المسؤولية ويعرف أن الأمن القومي لا يتجزأ.

لكن قرار السادات كان يتخطى ذلك، ويتخطى أيضاً ما قاله لوزير خارجيته إبراهيم كامل حين اعترض على اتفاقيات كامب ديفيد واستقال بعدها «أنت تعرف العرب، أنهم لو تركوا وشأنهم فلن يحلوا أو يربطوا، وسيظل الاحتلال الإسرائيلي قائماً حتى يلتهم الأرض العربية».

فالأساس عند السادات كان قراراً اتخذه قبل الزيارة بسنوات، وربما منذ توليه السلطة، بالالتحاق بالركب الأميركي، والرهان على الدعم الأميركي لقلب المعادلة في مصر وفي المنطقة. وقد اجتهد بعد ذلك في محاولة تقديم نفسه على انه يستطيع أن يكون الحليف الأساسي لواشنطن في المنطقة،

وأنه يستطيع أن يكون مقبولاً لدى العرب بعكس الحلفاء الآخرين يومها وأهمهم إسرائيل وشاه إيران، ولكنه لم يكن يدرك أن دوره انتهى ـ بالنسبة لواشنطن ـ بعد كامب ديفيد والمعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية!

وهكذا كان السادات ـ منذ البداية ـ يدرك انه ذاهب إلى حل منفرد، ومن هنا فالحديث الذي مازال البعض يردده حتى الآن عن أن الفلسطينيين ضيعوا الفرصة ولو انضموا للمسيرة حين دعوا للمؤتمر الذي انعقد في فندق مينا هاوس تحت سفح الهرم لأنهوا مشكلتهم كما فعل السادات.

هو قول لا أساس له من الصحة، فالسادات كان يعرف من البداية أن الوضع يختلف، وأن سيناء ليست فلسطين، وأن ما تقبله إسرائيل من أجل معاهدة «سلام» مع مصر لن تقبله مع أطراف أخرى.

فمن ناحية فإن إخراج مصر من الصراع العربي ـ الإسرائيلي كان على الدوام هدفاً أميركياً ـ إسرائيلياً قبل 67 بسنوات، كانت واشنطن تضغط منذ بداية ثورة يوليو 52 من أجل هذا الهدف. وهي تعرف أن إخراج مصر من المعادلة يعني انه لا حرب عربية إسرائيلية، ويفرض على باقي الأطراف (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) السير في نفس الطريق مهما كانت المقاومة.

ومن ناحية أخرى فإن سيناء (بالنسبة لإسرائيل) غير القدس والضفة، وإسرائيل ـ منذ يونيو 67 ـ تعرف أن وضعها في سيناء (مهما طال) هو وضع مؤقت، أما الضفة فوضعها يختلف عن الجولان وغزة، ولقد كان عبدالناصر يدرك ذلك منذ اليوم الأول لهزيمة 67،

وفي اجتماع له بعد شهر واحد من الهزيمة مع الرئيس الجزائري الراحل بومدين، قال عبدالناصر طبقاً للمحضر الذي نشره هيكل في كتابه عن حرب الثلاثين سنة انه بعد قطع العلاقات مع الأميركان بعد ثبوت اشتراكهم في العدوان،

فإنه طلب من الدول العربية إن تفعل المثل، ثم يضيف عبدالناصر: «ومع ذلك أنا اتصلت بالملك حسين بنفسي وقلت له إنني استثنيه من هذا الطلب بسبب أوضاعه الخاصة. وقلت له إنك لن تستطيع أن تستعيد الضفة الغربية إلا إذا وافقت أميركا على ذلك. وقلت له أيضاً أن الضفة الغربية تختلف عن سيناء اختلافاً كلياً لأن اليهود إذا بقوا في سيناء سنة

أو اثنتين أو ثلاثاً فإنهم يعرفون أنهم لن يستطيعوا البقاء فيها إلى الأبد لأنهم بالدرجة الأولى يريدان إخراج مصر من صراع المصير العربي وبالتالي فهم لا يريدون اشتباكاً دائماً مع مصر، وإنما هدفهم دائماً صلح منفرد معها.

وكذلك فليس في سيناء إلا عدد قليل من الناس معظمهم من البدو ولديهم فرصة الحركة دون البقاء في مواقع ثابتة رهائن للاحتلال. ومعنى ذلك أنني أستطيع أن أصبر على سيناء حتى أستعد، أما الضفة الغربية فوضعها يختلف».

هكذا منذ البداية كانت الرؤية المصرية واضحة، وكانت المشكلة الأساسية فيما حدث هي الضفة الغربية. وحين بدأت العروض للصلح المتفرد كانت إجابة عبدالناصر «القدس والضفة قبل سيناء» وهو أمر كان يعرف أنه لن يحدث بسهولة،

وهكذا عندما كان ملك الأردن حسين في طريقه للسفر إلى واشنطن كان عبدالناصر مدركاً للموقف وتعهد بأن يضع كل نفوذه السياسي وراء أي ترتيبات بشأن الضفة الغربية قبل أن يتمكن الاحتلال الإسرائيلي فيها، حتى ولو تطلب الأمر أن تقبل الأردن إعطاء قواعد للولايات المتحدة. فالمهم تخليص الضفة من قبضة إسرائيل.

من هنا كانت زيارة السادات انقلاباً على هذا النهج، وأياً كانت الأسباب فقد كانت النتائج كارثية، ويقال الآن: وهل كنتم تريدون أن تظل سيناء ـ مثل الضفة والجولان ـ تحت الاحتلال حتى الآن؟

والجواب بل كنا نريد أن تتحرر كل الأرض العربية التي احتلت في 67، ولو بقيت مصر داخل الصراع، ولو تحمل باقي العرب مسؤولياتهم في بناء القوة العربية ودعم التحالف الذي خاص حرب أكتوبر وانتصر، لكنا قادرين على تحقيق هذا الهدف منذ سنوات.

والآن، ومرور ثلاثين سنة ارتكب فيها العرب كل الأخطاء الممكنة، وارتكبت إسرائيل الجرائم، وتغير العالم لتهيمن عليه أميركا، ثم تقع تحت سيطرة عصابة صهيونية تجعل مصالح إسرائيل فوق مصالح أميركا ذاتها.. يذهب العرب إلى مؤتمر أو لقاء أو اجتماع أنابوليس (سمه ما شئت) يقال لنا إنه سيطلق عملية مفاوضات حول الدولة الفلسطينية فيما يتبقى من الضفة وغزة، وهى مفاوضات تستبقها إسرائيل.

باشتراط الاعتراف الفلسطيني (والعربي) بيهودية الدولة الإسرائيلية، لتفتح الباب أمام كارثة فلسطينية جديدة، بينما الإدارة الأميركية لا يهمها الآن إلا انعقاد المؤتمر في حد ذاته، وحضور العرب وتمهيد الطريق لعام ساخن في المنطقة يراد للعرب أن يكونوا وقود المعارك فيه،

وأن يدفعوا ثمن الحماقة الأميركية، وأطماع القوى الإقليمية، وفواتير العجز عن بناء نظام عربي قادر على أن يكون في دائرة الفعل التي خرج منها بعد ما حققه في أكتوبر 73 ولم يعد حتى الآن!!

كاتب صحافي مصري