تركيا كانت وما زالت أحد اللاعبين الأساسيين في المنطقة العربية والتي ارتبطت بها المنطقة يوم دخلت هي في الإسلام وتبني الناس والدولة فيها الإسلام كدين وعقيدة لغالبية سكانها.
وهي الدولة الوحيدة في التاريخ التي أخضعت المنطقة العربية لسيطرتها قرابة الأربعة قرون استطاب لها البقاء وأثرت فينا وبتنا مؤثرين فيها في فترات ومراحل من حياة المنطقة العربية.
وفي السابق وقبل الحقبة الاسلاموية والتي ما زلنا نعيش بعضا من حالاتها، كنا ولربما ما زال البعض منا ينظر إليها على انها أحد أهم أسباب التخلف العربي وإنها بفعل استعمارها للمنطقة العربية قد حجبته عن مراكز التنوير في العالم الحديث.
بالمقابل فهناك البعض منا من ذوي الاتجاهات الاسلاموية الذين ما زالوا ينظرون إلى تركيا الخلافة العثمانية على انها الطرف الذي حمى المنطقة العربية من الأطماع الاستعمارية الأوروبية. وإن المنطقة العربية جاءت عليها النوائب يوم قررت التخلص من العثمانيين والاحتماء أو كما يفضل البعض أن يقول «الارتماء في أحضان» الأوروبيين!.
وإذا ما كان الأمر هو كذلك في السابق، فإن الشقاق العربي قد تضاعف ودخلت عليه عوامل وأسباب كثيرة بعضها فينا نحن أصحاب الأمر والحق، وبعضها قد تمكن منا بفعل الوهن والاختراق الخارجي.
من هنا فإن تركيا المعاصرة هي ليست تركيا العجوز في أواخر عقود الدولة العثمانية كما إن تركيا من حيث طبيعتها المعاصرة ليست هي بذات الدولة الحديثة التي أقامها أتاتورك. فقد خضعت هذه الدولة منذ ذلك الوقت لتحولات ومرت عليها أحزاب وجماعات، كلها أمور قد غيرت من طبيعتها ومن علاقاتها بمحيطها الإقليمي والدولي..
وتركيا كدولة تمتلك من عناصر القوة البشرية والاقتصادية والعسكرية ما لا تمتلكه أيا من الدول العربية، ألم يسبق لتركيا أن هددت سوريا عسكريا واقتصاديا في أواخر سنين القرن الماضي بسبب استضافتها لزعيم المتمردين الأتراك عبدالله أوجلان.
بالإضافة لذلك إن الاستقرار السياسي الذي شهدته تركيا منذ آخر انقلاب قاده العسكر في العقد الماضي ضد أربكان وتطور عملية الإصلاح السياسي وامساك حزب العدالة والتنمية بالمفاصل الثلاثة للدولة التركية قد منحها قدراً كبيراً من الثقل السياسي والأهمية الاستراتيجية الجديدة رغم تلكؤ دخولها في الاتحاد الأوروبي.
بل إن محاولتها العودة لفضائها الإسلامي بات يعطيها قدراً من الأهمية السياسية على الصعيد الدولي، وهو الأمر الذي لم تكن تحظى به في السابق، أبان حكم الأحزاب العلمانية. وأعتقد ان كل هذه الأمور وغيرها، قد تفسر حالة الصمت التي جاءت على العالم اثر حشدها لأكثر من مئة ألف من الجنود على الحدود الشمالية للعراق بل وتغلغلها المتكرر فيه.
وفي حين التزمت كل الدول العربية موقف الصمت من العمليات العسكرية التركية في شمال العراق اتخذت كل من سوريا وإيران موقف المؤيد من حق تركيا في ملاحقتها لحزبها الكردستاني بما فيه اجتياحها للشمال العراقي..
وإذا ما كانت حالة الوهن وعدم المبالاة وتداخل المصالح قد شكلت الموقف العربي في عمومه فإن الموقف السوري والإيراني قد بني في الأساس على حسابات متعلقة بالداخل فيهما كما هو بدورهما ووضعهما الإقليمي.
وإذا ما كانت الكثير من الأقلام والأصوات العربية قد اشتعلت إزاء التدخلات الإيرانية في الحالة العراقية والتي في بعضها تحمل نزوعا عصبويا شديدا، فإننا نقول إن كلتا الدولتين وبسبب الحالة العراقية الكارثية والانقسام الشديد وغير القابل للجبر في آنيته، بين فئاته السكانية الداخلية لأسباب جلها مصالح سياسية، فإن هذا المعطى قد شكل سياسات كلتا الدولتين نحوه.
وباعتقادي فإنه إذا ما كانت لإيران مطامح في العراق لأسباب سياسية وتاريخية وقد يٌضيف إليها البعض المتغيرات المذهبية. فإن الثراء الاقتصادي لشمال العراق والوجود الكردي والتركماني فيه هي وأسباب أخرى تاريخية وسياسية ومذهبية تشكل بعض المطامح التركية في شماله وإن لم تبح عنها.
وهما، أي تركيا وإيران، ولأسباب متعلقة بالوضع الدولي العام والإقليمي فإنهما قد تكتفيان بحضورهما السياسي الظاهر والعسكري المبطن حتى تحين الساعة. وإذا ما اعتبرت إيران العراق في وضعه الحالي حديقتها الشرقية تغلغل حضورها فيه بمداخل وأساليب مختلفة،
فإن شماله قد مثل الحديقة الجنوبية لتركيا منذ أن ضرب الجيش العراق في حربه الأولى والثانية وحتى قبل سقوط النظام السابق. وتبدو المفارقة في ترك العرب للعراق والعراقيين لأن يحلوا أمره بنفسه إلا من محاولات رفع العتب،
فإن الحضور التركي والإيراني الكثيف في العراق والغياب العربي عنه قد عكس ما يعنيه العراق لهم وغموضه في الحالة العربية. وإذا ما كانت إيران قد وظفت بعض القوى الإسلاموية العراقية لخدمة أهدافها في الداخل العراقي،
فإن لتركيا هي الأخرى ارتباطاتها ببعض القوى الاسلاموية العراقية والتي وإن لم تبح فإنها قد تجد في تحالفها مع تركيا وحدا للتحالف الإسلاموي الآخر المدعوم من قبل إيران، وسبق لتركيا وإن استضافة نهاية العام الماضي مؤتمر «نصرة أهل السنة والجماعة» والذي دعا إليه ما يسمى بإمام الوسطية،
والذي قيلت فيه كلمات لا تزيد الوضع العراقي إلا فرقة وتشرذم وعبر كذلك عن «مركب الطأفنة» والذي لبسه بعض من رجال الدين والساسة وبعض الأكاديميين والخبراء من كلتا الضفتين. كما إن لتركيا مصالح اقتصادية كبيرة مع العراق فبالإضافة لتبادل تجاري يأتي للمصلحة التركية بما يقارب الملياري دولار فإن عدد العمال الأتراك العاملين في العراق يقدر بعشرات الآلاف جلهم في شماله.
كما ان لإيران وتركيا حضورا دبلوماسيا كبيرا ومؤثرا في العراق يقابله غياب عربي واضح على الصعد العراقية المختلفة وإن اعتبرت بعض القوى العراقية، المنطقة العربية فضاء سياسياً واسعاً داعما لها!!، إلا أنه فضاء قد عمل القليل لوقف انحداره المتسارع نحو النموذج الصومالي، بل ساهم في بعض حالاته بقصد عصبوي نحو انزلاقه الحالي.
من ناحية أخرى، وبعيدا عن درجة الاستقطاب السياسي في الساحة العربية التي بات يأخذ منحدرات عصبوية أكثر منها إيديولوجية في تقييمها للموقف التركي والإيراني من الحالة العراقية، إلا إنه يمكن القول إن تركيا كما هي إيران لم تكن تشعٌرا بشيء من الارتياح، مهما كانت طبيعة الطبقة السياسية الماسكة بالدولة فيهما، لوجود عراق قوي.
وفي الداخل التركي فإنه لا توجد اختلافات جوهرية بين القوى السياسية التركية المختلفة من الحالة العراقية. فالمصالح القومية التركية تعلو على أي مصالح آنية أو أيديولوجية أو عصبوية معينة مهما كان حجم الإسطفاف والدعم الذي قد تحصل عليه بعض القوى الاسلاموية العراقية، وهو تحديدا ما يتماثل مع الموقف الإيراني من الحالة العراقية.
من هنا فإن حشد أكثر من 100 ألف جندي تركي قد لا يعني تأهبا لاجتياح تركي محتمل للشمال العراقي وإنما هو عامل وخز في الخاصرة الأميركية اللينة في العراق للحصول على مزيد من التنازلات الأميركية والعراقية للدولة التركية الجديدة التي تحلم في أن تعيد أحلام تركيا في المنطقة العربية وإن كان ذلك بشكل وإستراتيجية جديدة.
فتركيا لن تغامر وتدخل في حرب عصابات في الشمال العراقي دون أخد الموافقة والدعم الأميركي، وهو إن تم فإنه قد يأتي بفاتورة قد لا يقوى النظام التركي على تحملها خصوصاً وإن تركيا تعتبر ثاني أكبر حليف بعد إسرائيل لأميركا في الشرق الأوسط من حيث المساعدات العسكرية والدعم والاستثمارات الاقتصادية.
وخلاصة قولنا إن ضعف الحالة العربية المشرقية والتي جاءت بفعل الحرب العراقية الإيرانية والاحتلال العراقي للكويت وأخيرا الاحتلال الأميركي للعراق قد قاد لقدر من التنافس وكذلك التعاون بين القوتين الإسلاميتين التقليديتين في المنطقة:إيران وتركيا حيث باتتا تمثلان القوتين الأكثر تأثيراً في الحالة العراقية.
بل إن عودة توظيف بعض المصطلحات التي لا تخلو من نزوع عصبوي ولربما نوازع شوفينية مريضة «كالصفوية» لا يكتمل إلا بمقابلته «بالعثمانية». فتركيا لم تعد قوة سياسية محايدة، بل إنها وبفعل تحالفاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والدينية إن لم تكن كذلك الأثنية قد أصبحت تمثل أحد أهم القوى الإقليمية في المنطقة
وبالتالي المشكلة لنمط جديد من العلاقة مع محيطها العربي. ومع ذلك فإن الوجود الإيراني والتركي في العراق لن يقود لصراع معلن بينهما لحاجة كل منهما للآخر، وهو الأمر الذي سيستمر لبضعة عقود حتى يعود الوعي الغائب لأهله، وبعد أن يدرك الخلق إن مصالح الوطن والأمة يجب أن تدرك قبل مصالح الطائفة والجماعة. والله من وراء القصد.
كاتب بحريني