في جو من التشاحن وليس التنافس، جرت الأسبوع الماضي انتخابات نقابة الصحافيين المصريين، على مقعد النقيب ومجلس النقابة، وفي أجواء لا تقل سخونة تمت الانتخابات النيابية الأردنية.
ورغم الاختلاف في المكان وطبيعة هذه الانتخابات وتلك، ثمة خيط رفيع يربط بين الاثنتين، في انتخابات الصحافيين المصريين، كان الخلاف على أشده بين اتجاهين، واحد يرى في النقابة مكانا منزوعا من السياق العام للوضع السياسي في مصر، ولا يعد كونه جمعية تقدم لأعضائها الخدمات الاجتماعية. وآخر يعتبر النقابة بيتا للحريات وساحة الدفاع عن المظلومين، وكشف وتعرية الفساد والمفسدين.
أصحاب الرؤية الأولى لا يستطيعون إنكار الدعم الحكومي لاتجاههم، بل تقديم الوعود الوردية لتثبيت أقدامهم داخل قاعات النقابة، فيما تشبث التيار الآخر ب«سلالم النقابة» التي باتت المكان الأكثر شهرة في التعبير عن رؤيته، باعتباره المكان الذي لجأت إليه غالبية حركات الاحتجاج على اختلاف دوافعها ومنظميها في الآونة الأخيرة.
ورغم العدد غير المسبوق للمرشحين على مقاعد مجلس نقابة الصحافيين الاثنى عشر، فقد كان الاتجاهان واضحين، وثمة إدراك وسط الجماعة الصحافية حول طبيعة المعركة وممثليها. وعندما احتدمت المعركة ومالت الكفة إلى تيار الرأي وربط النقابة بما يدور خارجها من أحداث،
ألقت الحكومة بثقلها خلف تيار الخدمات، ولوحت بسلاح المال، في ظل وضع اقتصادي خانق طال الصحافيين مثل غيرهم من أفراد المجتمع المصري، فكانت الغلبة في اللحظة الأخيرة لمن جاء بدعم مالي مباشر، اعتبرها البعض رشوة ودافع عنها البعض الآخر باعتبارها حقا يجب المطالبة به والحصول عليه ليس عيبا.
وبالتالي لخصت نتائج انتخابات الصحافيين طبيعة المعركة، وعكست إلى اي مدى وصلت التجربة الديمقراطية، التي يبدو للأسف، أنها لا تزال في طور التكوين، ولم تشب بعد عن الطوق رغم سنوات النضال الطويلة التي عاشتها أجيال عدة من الصحافيين المصريين عبر عمر نقابتهم المديد.
وإذا انتقلنا إلى الانتخابات النيابية الأردنية، فان الصورة في جوهرها لم تختلف كثيرا، من حيث اللجوء إلى سلاح المال، وشاهدنا ما بات يعرف بظاهرة شراء الأصوات، التي جرت في هذه الدائرة أو تلك ولم يمنع منها، إعلان الحكومة ملاحقة من تثبت إدانته بارتكابها كجريمة،
خاصة وان النتائج كانت أكثر تعبيرا، عن التغيرات الحادة في الخريطة السياسية، بخروج واحد من التيارات المعروفة والقوية، من المعركة الانتخابية بهزيمة واضحة أمام مرشحين مستقلين، عدد غير قليل منهم لا يملك سجلا حافلا بالعمل السياسي.
والدرس الذي يمكن ان نخرج به سواء من انتخابات الصحافيين المصريين، أو الانتخابات النيابية الأردنية، ان الديمقراطية لا يمكن ان تحلق بأي حال من الأحوال من دون ان يكون لها أجنحة تراعي البعد الاجتماعي لجمهور الممارسين.
ففي ظل أزمات اقتصادية، بما لها من تأثيرات سلبية على الواقع الاجتماعي، كيف لنا الوصول إلى ناخب، لا يقع في حبائل الوعود البراقة بحل مشاكله الاقتصادية، مهما بلغ من درجة وعي كما هو الأمر في حالة الصحافيين المصريين، أو ناخب يحصل على بضع دنانير مقابل بيع صوته كما رأينا البعض في الانتخابات الأردنية؟.
سيظل التطور الديمقراطي في المنطقة دون الطموح، وربما لن يراوح مكانه إذا بقي الجانب الاقتصادي والاجتماعي في أدنى السلم، فالعملية الديمقراطية ثلاثية الأبعاد (سياسية اقتصادية اجتماعية) يجب ان تجد المناخ والبيئة الملائمة لنمو أطرافها على ذات المستوى. وبدون توفير هذه البيئة سنظل نحرث في البحر، فلا زرع نبت، ولا محصول ينتظر حصاده.