في زخم الأحداث الجارية حاليا في باكستان تتداول بعض الأقلام فرضية وصول نظام الرئيس برويز مشرف إلى نهايته في باكستان مع تزايد الضغوط الدولية لاسيما الغربية منها على الرئيس الباكستاني لوقف حالة الطوارئ والعودة بالبلاد إلى تطبيق النظام الديمقراطي.

أقلام كهذه تفتقر الى التحليل السياسي لتحديد أسس العلاقات الدولية الحاكمة للتفاعلات الدولية في الوقت الراهن ولاسيما تلك التفاعلات القائمة حاليا بين الولايات المتحدة وباكستان. الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعا هي أن المسير الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية هي مصالح الولايات المتحدة،

ومصلحة الولايات المتحدة اليوم تقول بأن باكستان يجب أن لا تتحول لسيطرة أشخاص متشددين في فكرهم ومعادين للولايات المتحدة لأن ذلك سيعرض ليس فقط باكستان وإنما المنطقة بأسرها والأمن العالمي، بما فيه الأمن الأميركي، إلى مخاطر جمة لا يمكن أن تحمد عقباها.

الرئيس برويز مشرف لم يتوان منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عن الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على نظام طالبان والقاعدة في أفغانستان كجزء من فلسفتها القائمة على محاربة الإرهاب.

والحقيقة هي أنه لولا مساعدة الرئيس مشرف للولايات المتحدة لما تمكنت واشنطن من تحقيق نجاحاتها ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان وفي مواجهة المتشددين الباكستانيين في باكستان الذين يقدمون الدعم المباشر أو غير المباشر لطالبان والقاعدة.

الرئيس الباكستاني برويز مشرف هو مصلحة أميركية بالدرجة الأولى ووجوده ضروري لاستكمال الولايات المتحدة مخططها القاضي بالسعي لمواجهة الإرهابيين. صحيح أن الولايات المتحدة أعلنت مرارا دعوتها الرئيس مشرف لإلغاء حالة الطوارئ

وضمان إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد إلا أن تلك الدعوات كانت خجولة ومحدودة ولم ترق إلى الضغط القوي والمباشر، والدليل أن الولايات المتحدة لم تعلن وقف تمويلها المالي لباكستان وللمؤسسة العسكرية الباكستانية التي استقبلت منذ عام 2001 ما يقرب من 11 مليار دولار أميركي

في شكل مساعدات أميركية لدفع قوة الرئيس مشرف في مواجهة الضغوط الداخلية ضد نظامه. فإذا كانت الولايات المتحدة تريد حقا إلحاق الضرر بنظام الرئيس مشرف لأوقفت مثل ذلك الدعم عنه مباشرة، لكن ذلك لم يحدث ولن يحدث.

الرئيس الباكستاني مشرف هو اليوم مصلحة أميركية لا يمكن للولايات المتحدة التخلي عنه لأن ترك مشرف وحيدا ومعزولا يعني تنامي قدرات أطراف أخرى لن تكون بقوة الرئيس مشرف في دعم الولايات المتحدة ومخططاتها في المنطقة لاسيما في أفغانستان.

نعم لا تستطيع الولايات المتحدة إلا أن تدعو الرئيس مشرف إلى ضرورة احترام العملية الديمقراطية وإعادة البلاد إلى مسارها الديمقراطي لأن ذلك جزء من فلسفة الولايات المتحدة لكسب ود الداخل الأميركي الذي يعتبر أن للدولة الأميركية دورا أساسيا في الدفاع وحماية حقوق الإنسان في العالم.

لكن التصريح شيء والمصلحة شيء آخر، ومصلحة الولايات المتحدة اليوم هي في بقاء الرئيس مشرف في سدة الحكم لأنه هو القادر على ضبط الأمور في باكستان كي لا تنجرف البلاد إلى سيطرة المتشددين لاسيما وأن باكستان دولة تمتلك القدرة النووية التي من الممكن أن تقع في يد القاعدة أو طالبان إذا ما أصبحت البلاد أرضاً بلا سيطرة وبلا أمن.

ليس مصلحة الولايات المتحدة أن يأتي النظام الديمقراطي بأشخاص يعادون الولايات المتحدة أو يختلفون معها في موضوع غاية في الأهمية بالنسبة لواشنطن هذه الفترة لاسيما موضوع محاربة الإرهاب. واشنطن تريد الاستقرار لباكستان كي تستقر أفغانستان وتريد لباكستان أن تحكم بقوة بحيث لا تزدهر الأصوات المعادية للولايات المتحدة في فكرها وتنظيمها.

صحيح أن واشنطن قلقة من ما يحدث في باكستان لأن ذلك أمر طبيعي خوفا من سقوط البلاد في دوامة من عدم الاستقرار التي ستؤثر بالطبع على المخططات الأميركية في أفغانستان بالذات، لذلك فإن واشنطن مهتمة بالوضع في باكستان وتأمل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه ولكن مع وجود الرئيس مشرف على رأس هرم السلطة.

ولقد كان ذلك واضحا بشكل جلي في دعم واشنطن للمشاورات التي كانت بين الرئيس مشرف ورئيسة الوزراء السابقة بناظير بوتو باعتبار أن الاثنين يحملون أجندة مواجهة التشدد والتطرف للجماعات الجهادية في باكستان.

بوتو لوحدها لن تحقق ما ترجاه الولايات المتحدة الأميركية باعتبار أنها من دون خبرة عسكرية، في حين أن الرئيس مشرف العسكري النشأة والكفاءة هو القادر على مواجهة الجماعات المتشددة في باكستان لأنه يتمتع بقوة السيطرة على الجيش وقياداته.

لذلك فتحالف مشرف ـ بوتو سيكون في قلب المصلحة الأميركية حيث أن مشرف يتمتع بفكرة الاستراتيجي وبوتو تتمتع بشعبيتها الواسعة. لكن إذا ما لم يجد ذلك التحالف النور على أرض الواقع فإن مصلحة الولايات المتحدة هي مع وجود وسيطرة الرئيس مشرف على مجريات الأمور في باكستان إيمانا منها بأن الشعب الباكستاني لا يمكن أن يدار في هذه الفترة بالذات إلا بشخصية قوية حتى لا تتنامى فرص المتشددين والمعادين لخطط الولايات المتحدة.

ولعل ما يؤكد ذلك التصريح الذي أدلت به وزيرة خارجية الولايات المتحدة السيدة كوندوليزا رايس أثناء زيارتها الأخيرة إلى تل أبيب عندما علقت على ما يدور في باكستان بالقول «إن النقطة الهامة بالنسبة للإدارة الأميركية هي حماية أميركا وحماية المواطنين الأميركيين

من خلال الاستمرار في محاربة الإرهاب»، ولعل في مثل هذا التصريح دلالة قوية على أهمية الرئيس مشرف لأولوية الولايات المتحدة في الفترة الراهنة والتي لا يبدوا أنها ستتغير خلال الفترة المقبلة أيضا.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com