يمكن أن نطلق عليه «هيكل» التركي. هذا هو المفكر الاستراتيجي التركي أحمد دافوتغلو. وكما كان محمد حسنين هيكل المستشار الأكبر للرئيس جمال عبدالناصر فإن دافوتغلو هو الشخصية العبقرية التي يسترشد بها زعيم «حزب العدالة والتنمية» ورئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان في وضع أهداف وتحركات سياسته الخارجية،

وإذا توقفنا عند التوجهات الفكرية الجيو ـ سياسية لهذه الشخصية الفريدة فإننا ندرك إلى أين تتجه تركيا. منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى قبل بضع سنين تحسب بأصابع اليد الواحدة ظلت تركيا في نظر الشعوب العربية مجرد دولة تابعة وعميلة للولايات المتحدة وحليفا ثابتا لإسرائيل، لكن هذه الصورة أصبحت آخذة في التغير منذ أن تولى السلطة حزب أردوغان قبل خمس سنوات.

حزب العدالة والتنمية لا يمكن وصفه بأنه حزب إسلامي على غرار «الإخوان المسلمين» في مصر وغيرها من البلدان العربية الأخرى. لكن جمهور الناخبين الذين حققوا له أغلبية ساحقة وكاسحة في الانتخابات البرلمانية في دورتين متتاليتين كانوا دون شك يدركون أنه حزب ذو منطلقات إسلامية يؤمن بالوسائل الديمقراطية السلمية

وأنه يهدف بواسطة هذه الوسائل إلى إعادة الاعتبار للهوية الإسلامية للشعب التركي. ويجوز من هذا المنظور أن نعتبر «العدالة والتنمية» النقيض النظري للأتاتوركية التي أرادت محو هذه الهوية مضموناً وشكلاً، من هذا المنظور أيضاً فإن فكر أحمد دافوتغلو هو القوة الدافعة لهذا التوجه.

ليس معنى هذا أن دافوتغلو ابتكر أفكاراً فرضت على جمهرة الشعب التركي بواسطة حزب أردوغان الحاكم، وإنما المغزى هو أن هذا المفكر الإسلامي استطاع أن يتلمس شعوراً عاماً متنامياً في أوساط الفئات الشعبية يعكس رغبة عارمة في العودة إلى أصول الهوية فوجد نفسه يتجاوب مع هذا الشعور وما تمت ترجمته إلى أفكار براغماتية.

تقول مجلة «إيكونومست» اللندنية أن كلاً من أردوغان ورفيقه رئيس الجمهورية عبدالله غول يخاطب دافوتغلو بلقب «الخوجة» والذي يعني باللغة التركية كما نعلم «المعلم»، وتفيد المجلة أن قادة حزب العدالة والتنمية اجتذب اهتمامهم هذا المفكر الأكاديمي خلال منتصف عقد الثمانينات من خلال مقالات صحافية نشرها عن الإسلام والغرب.

ومما يروى أن وزير خارجية تركيا الحالي علي باباكان الذي يعتبر خليفة أردوغان في المستقبل يصطحب معه دافوتغلو في أسفاره على الدوام. ولد دافوتغلو لأسرة تعمل بالتجارة اشتهر أعضاؤها بالتدين والسلوك الأخلاقي القويم رغم أنها كانت أسرة موسرة.

وتلقى تعليمه العالي في جامعة ألمانية في اسطنبول، وظلت مقالاته الصحافية تدور حول تساؤل أساسي: لماذا تستورد تركيا أفكارها من الغرب؟ ولماذا لا تنجب مفكرين أتراكاً ذوي توجهات فكرية أصيلة؟

ومن المفارقات أن مماطلة دول الاتحاد الأوروبي في الاستجابة لطلب تركيا دخول عضوية الاتحاد وكأنها لا تعتبر دولة أوروبية كان من شأنها حفز القوى الشعبية التركية على إدارة ظهرها لأوروبا المسيحية وإيقاظ مشاعر العودة إلى الهوية الإسلامية الأصيلة عوضاً عن مناشدة أو تكالب نحو الاتحاد الأوروبي لقبول تركيا ضمن الأسرة الأوروبية.

تركيا تعيش الآن مرحلة تغيير حضاري ينعكس على حزب العدالة والتنمية الحاكم كتوجه استقلالي للدولة التركية في ساحة العلاقات الدولية ممتزج بشعور قوي بالانتماء إلى العالم الإسلامي، وهذه فرصة يهيؤها التاريخ للدول العربية والإسلامية للتجاوب مع دولة مسلمة عملاقة في ظرف دولي عصيب باتت فيه الشعوب الإسلامية أحوج ما تكون إلى التضامن والتكتل في مواجهة الغرب.