يعيش لبنان ومنذ الساعات الأولى ليوم أمس، ويده على قلبه. دخوله في فراغ رئاسي، جعله في وضعية من يمشي على حبل مشدود وتحته هاوية. المطمئن، حتى اللحظة، أن كل المطلوب لتأمين التوازن، الذي يكفل العبور السليم؛ قد توفر؛ والمهم هنا أنه توفر بتفاهم، ضمني أو غير مباشر لا فرق بين كافة الأطراف اللبنانية المعنية.

المقلق أن هذا الفراغ ليست معروفة مدة إقامته. والأكثر مدعاة للقلق أن التفاهم هذا، واستطراداً التوازن، ليست مضمونة قدرته على الصمود؛ طوال رحلة العبور. لاسيما وأن طول هذه الرحلة، يلفه المجهول وأن العوامل والاعتبارات التي فرضت ذلك عرضة للتغير،

المؤكد أن البلد تنفس الصعداء، عندما بدا أن الأزمة على الرغم من وصولها إلى الحائط المسدود، لم ترتطم بالقاع. بقيت معلقة بحبال الهدوء؛ ولو الهش والسريع العطب. التوافق الذي استعصى بلوغه، حول انتخاب رئيس يحظى بالإجماع؛ تحقق حول كيفية التعامل مع مرحلة ما بعد الاستحقاق، العنوان المتداول، في هذا الصدد، كان: إدارة الفراغ.

أو الأمن الممسوك. المقايضة كانت المدخل، بين امتناع المعارضة عن الذهاب إلى خيار انتخاب رئيس بنصف عدد النواب زائد واحد ـ في ضوء تعذر تأمين نصاب الثلثين ـ؛ مقابل امتناع المعارضة ومعها الرئيس لحود المنتهية ولايته، عن تعيين حكومة جديدة، أخرى. وبين الاثنين بدا أن هناك تسليما من الجميع، بوضع الأمن في عهدة الجيش اللبناني.

المعادلة شقت طريقها، على الأرض. من الطبيعي أنها تركت حالة من الارتياح. كما أبقت على فسحة الأمل عائمة. خاصة وأنه قد تحدّد موعد آخر، في 30 الجاري، لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية. ثم إن لبنان سبق له أن مرّ بتجربة مماثلة، مرتين، في تاريخه.

في عام 1952 ترك الرئيس منصبه تحت ضغط الشارع. تمّ التعامل يومذاك، مع الفراغ وفق الآليات الدستورية؛ التي ضمنت انتقال البلد، على يد حكومة مؤقتة، إلى مرحلة انتخاب رئيس جديد.

ثم تكرر المشهد عام 1988، لكن الظروف المختلفة آنذاك أربكت الاحتكام إلى الدستور. فنشأت ازدواجية في الحكم؛ بعد أن قام الرئيس المنتهية ولايته إلى تعيين حكومة جديدة تتولى مهام الرئاسة؛ في حين كانت الحكومة القائمة لا تزال تمارس صلاحياتها.

الآن وبالرغم من أن الأزمة ليست جديدة وأنه لم يحصل فيها ما يتسبب بازدواجية حكم؛ إلا أن المأزق أشد خطورة. عناصره غير مسبوقة. الداخلية منها والإقليمية. بل هي أكثر التهاباً وهي متداخلة، بصورة أو بأخرى. فضلاً عن أنها بالغة التعقيد والقساوة.

يكفي استعراض حجم وثقل المساعي والوساطات العربية والدولية، التي لم تقوَ على فتح كوّة في جدار الأزمة؛ ليتبين مدى عمق الأزمة اللبنانية وخطورتها هذه المرة. بل ملامستها للعصب الشوكي اللبناني.

المتوقع والمأمول أن يبقى التمسك بهذا الهدوء، ولو الحذر، ديدن كل الفرقاء اللبنانيين. كما أن تكون الأيام الخمسة الباقية من الجاري والفاصلة مع موعد الجلسة المؤجلة للمرة الخامسة ـ في غضون شهرين ـ هي فترة مراجعة دقيقة؛ على ضوء ما يختزنه الزمن الآتي من منزلقات،

إذا مرّ يوم 30 نوفمبر كما مرّ غيره من مواعيد من دون إنجاز هذا الاستحقاق؛ الذي بات مصير لبنان مرهوناً به، لن يشفع الآخرون بلبنان والتشبث لم تشفع به مسوغاته، أدّى إلى الفراغ والفارغ بطبيعته لا يقوى على الاستمرار. والبديل معلوم.