غادر الرئيس اللبناني اميل لحود قصر بعبدا امس تاركا خلفه فراغا دستوريا، وبلدا منقسما، وازمة سياسية حادة مفتوحة على كل الاحتمالات، بما في ذلك الاحتكام الى السلاح.
الجدل الدستوري في لبنان سيستمر طوال الايام المتبقية من هذا الشهر حتي انعقاد مجلس النواب مرة اخرى، وربما اخيرة، لاختيار رئيس بديل، ولا يلوح في الافق اي امل بالتوصل الى توافق حول اسم معين من بين المرشحين.
الرئيس لحود نفذ تهديداته التي اطلقها قبل يومين باتخاذ اجراء يحفظ امن البلد في حال عدم انتخاب خليفة له، وذلك بتكليف الجيش حفظ الامن ووضع جميع القوى الامنية في تصرفه، مما يعني عدم الاعتراف بتولي رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مهام رئيس الجمهورية وفق نص الدستور.
كتلة الاكثرية، او 14 آذار التي يتزعمها الحريري، طعنت في دستورية هذا القرار واعتبرته غير دستوري لا قيمة له لان اعلان حالة الطوارىء وتكليف الجيش بحفظ الامن يجب ان يصدر عن رئيس الحكومة وفق الدستور. ولكن المعارضة في المقابل تشكك في شرعية الحكومة اللبنانية ورئيسها، لانها لا تمثل الطائفة الشيعية ونسبة كبيرة من المسيحيين من التيار الوطني الحر التابع للعماد ميشيل عون بعد انسحاب الوزراء التابعين لحزب الله وحركة امل والتيار الحر منها.
العماد عون تقدم بمبادرة تنازل فيها عن شرطه في ان يكون المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية مقابل ان يملك صلاحية تسمية الرئيس، على ان يسمي السيد الحريري رئيس الوزراء في المقابل، ولكن هذه المبادرة رفضها الطرف الآخر فورا حتى دون ان يدرس تفاصيلها بعناية.
المعارضة تريد رئيسا يقيم علاقات طيبة مع سورية ويدعم المقاومة التي يتزعمها حزب الله اللبناني، والموالاة تريد رئيسا يتصدى لاي نفوذ سوري في لبنان، ويعمل على نزع سلاح المقاومة، ويكون قريبا من الولايات المتحدة ومحور دول الاعتدال العربي.
من الواضح ان الحلول الوسط مرفوضة، ليس لاسباب لبنانية، وانما لاسباب خارجية، فاميركا ودول غربية اخرى مثل فرنسا تقف خلف معسكر الاكثرية، وتحرض على رفض التنازل عن نزع سلاح المقاومة، وسورية وايران تقفان خلف المعارضة وتطالبان برئيس اقرب الى مواقفهما السياسية ويعارض مطالب المعسكر الاخر ويصر على ابقاء المقاومة وسلاحها.
انتخاب السيد ميشال ادة كرئيس لمرحلة انتقالية لمدة عامين تنتهي مع بدء الانتخابات النيابية المقبلة كان حلا وسطا، فالرجل يتمتع بمواقف وطنية عروبية معروفة، ويحظى بمباركة البطريرك صفير، ويملك خبرة سياسية عميقة حيث تولى حقائب وزارية عديدة في السنوات الثلاثين الماضية، ولكن الاكثرية ترفض هذا الحل لانها تخشى ان تفقد اكثريتها في تلك الانتخابات التي قد تأتي برئيس وزراء ورئيس جمهورية من المعسكر الآخر.
ازمة لبنان ستستمر، لانها باتت مرتبطة بطبخة اميركية يجري اعدادها للمنطقة على نار ساخنة. ملامح هذه الطبخة ستبدأ في الاتضاح بعد اختتام مؤتمر انابوليس للسلام في الشرق الاوسط. بمعنى آخر فان ملف الرئاسة في لبنان، بل وملف لبنان كله بات مرتبطا وبقوة بالملف النووي الايراني. وطالما بقي هذا الملف دون حل سلما او حربا، فان الازمة اللبنانية ستستمر وتتصاعد.
السيد السنيورة اعتبر الرئيس لحود المنتهية ولايته كابوسا انزاح عن كاهل الشعب اللبناني. ولكن يرى نصف اللبنانيين على الاقل عكس ذلك. فالرجل كان سندا للمقاومة اللبنانية، وسيدخل عهده على انه العهد الذي انتصر فيه لبنان مرتين، مرة عندما اجبر الاسرائيليين على الانسحاب من ارضه عام الفين، والمرة الثانية عندما انتصر عليهم اثناء اجتياحهم في تموز (يوليو) عام 2006 بعد اربعة وثلاثين يوما من المقاومة.
ربما سيذهب العماد لحود الى بيته مرفوع الرأس، نظيف اليد، مرصع صدره بالاوسمة التي تؤكد وطنيته، ولكنه يترك خلفه لبنانا ممزقا مختلفا كليا عن لبنان الذي تسلمه من سلفه.
