الاستحقاق ليس فقط المتعلق بانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، بل هو استحقاق عربي، أكثر من ذلك: إنه جملة من الاستحقاقات التي على العرب النظر إليها بجدية، وبالتالي، وضع تصورات محددة وواضحة تجاهها كي يكونوا قادرين على مواجهة ما يحمله الغد من مخاطر ومواقف وسياسات و.. متغيرات.

الاستحقاق الانتخابي اللبناني مهم، لكنه ليس الوحيد الذي يجب أن يحظى بالجهد العربي والدولي، ومن غير المعقول أن يتحول هذا الملف بتداعياته الداخلية والتدخلات الخارجية الى مشكلة كبرى تغطي على مشكلات المنطقة وأزماتها المزمنة. ‏

مع ذلك، فإن اختصار الأزمة اللبنانية بموضوع انتخاب رئيس للجمهورية فيه الكثير من الظلم للحقيقة، وتقزيم للأزمة، وتغييب مقصود للأسباب الحقيقية لحالة اللااستقرار والتوتر السائدة في لبنان. ‏

فما يجري على الساحة اللبنانية محاولة خطيرة لضرب صيغة التعايش التي يتميز بها لبنان وخلق واقع جديد يضع الأطراف والطوائف اللبنانية في مواجهة فيما بينها، وربما بما يؤدي إلى تقسيم هذا البلد الصغير إلى دويلات صغيرة، أو على أحسن تقدير، تحويله إلى دولة بنظام فيدرالي بين ولايات أو محافظات قائمة على أسس الانتماء للطائفة أو العشيرة أو الميليشيا!. ‏

معركة الرئاسة ليست سوى واجهة لهذه المواجهة المطلوبة تقاد من الخارج بقوة ضغط هائلة، وبإسهام داخلي لم يعد خافياً على أحد. ‏

هذا التصور ليس مجرد تخيلات وتهيؤات وتحليلات، فهو يستند الى مشروع قديم جداً تم تسريبه عبر استراتيجية معلنة للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1982، يقضي بتقسيم جميع الدول العربية إلى دويلات تقوم على العرق والدين والمذهب!. ‏

وإذا فشل اللبنانيون ومعهم العرب في التوصل إلى مرشح توافقي، فإن الذنب يقع أولاً على الإدارة الأميركية ومن تمثله وما تمثله، وكذلك من يمثلها في الداخل وينطق باسمها ويستقوي بها. ‏

هكذا تبدو الأزمة اللبنانية ـ وهي من صنع خارجي ـ جزءاً من أزمة المنطقة التي باستطاعة العرب إيجاد الحلول الناجعة لها فيما لو عقدوا العزم على ذلك من خلال تضافر جهودهم وتوحيد مواقفهم وتناسي خلافاتهم، إذ إن هذه الخلافات ـ مهما بلغت ـ تظل هامشية وثانوية أمام الهم العربي الكبير، والكارثة الكبرى التي تنتظرهم في حال استمرت حالة التشرذم والتمترس وراء الإقليمية بمفهومها الضيق والضار، وتناسوا الاستحقاقات العديدة والخطيرة التي تتهددهم حاضراً ومستقبلاً. ‏

العراق الجريح مثال حي لحقيقة الموقف العربي وللعجز العربي في معالجة الأزمات داخل البيت العربي، بقدر ما هو مثال حي على المخاطر الحقيقية التي تحمّلها إدارة المحافظين الجدد للعرب، ولهذه المنطقة، وللدور التخريبي الذي تلعبه. ‏

ولا يمكن للعرب أن ينسوا الدور الأميركي في العدوان الاسرائيلي المدمر على لبنان، والذي تم لأغراض أميركية أولاً وأهداف إسرائيلية ثانياً، على الرغم من قناعتنا بأن أغراض هذه وأهداف تلك اندمج بعضها ببعض، أو استنسخت من بعضها، فليس هناك فروقات جوهرية بين المشروع الصهيوني العتيق والمشروع الأميركي لشرق أوسط جديد. ‏

الأمر نفسه ينطبق على عملية السلام، فإدارة الرئيس بوش تتبنى سياسة إسرائيلية لا ترى في السلام إلاّ استسلاماً عربياً «بالجملة والمفرق» وعمليات تطبيع شبه إلزامية، والقبول «بهبة» اسرائيلية هي السلام مقابل الأرض وعدم الاعتداء وليس الأرض مقابل السلام. ‏

فاسرائيل منذ مؤتمر مدريد تطالب العرب بالتنازل عن أرضهم مقابل السلام، وهذا ما أعلنه اسحق شامير عام 1991 أمام أول مؤتمر للسلام بين العرب وإسرائيل. ‏

فهل تغير شيء منذ ذلك التاريخ حتى اليوم؟ وهل خرجت إدارة المحافظين الجدد الأميركية من جلدتها وغيّرت مواقفها وسياساتها وباتت داعية سلام وليست عرّابة حروب ودمار وخراب؟. ‏

عندما يحدث ذلك نرجو من إدارة بوش إبلاغنا بأسرع وقت ممكن كي نستبشر بأن السلام صار في متناول اليد، وأن عقيدة التسلط والعنجهية والغرور قد صارت من الماضي، ولا نظن أن الدعوة إلى مؤتمر ما تحت شعار السلام يعني أن هذه الإدارة جنحت إلى السلام فعلاً ما لم يكن واضحاً أن هذا المؤتمر هو فعلاً من أجل السلام العادل والشامل على المسارات كافة وليس من أجل تبييض وجه هذه الإدارة، وتبرئة القاتل وإجبار الضحية على رفع الراية البيضاء. ‏

الاستحقاقات كبيرة وخطيرة والكرة في الملعب العربي أولاً، فالعرب وحدهم من عليه اتخاذ القرار الصائب الذي يجعل كلمتهم مسموعة وإرادتهم محترمة وحقوقهم مصونة. ‏