أكتب هذا المقال بعد أيام من عودتي من زيارة محفوفة بالمخاطر لإقليم كردستاني العراقي كان فيها شبح التدخل العسكري التركي لا يكاد يغيب، وكان هناك ما يشبه الإجماع على استحالة التدخل وكنت أراه محتملا بل الأرجح، وللأمر قصة في عالم الأفكار لا في سراديب الأسرار.
فخلال قرنين من الزمان انشغل العالم الغربي بالدولة العثمانية وانعكس انشغاله في مجموعة من التعبيرات الموحية: «المسألة الشرقية»، «الرجل المريض»، وغيرهما من التعبيرات التي دخلت تاريخ العلاقات الدولية لتلخص المخاوف الغربية من هذه الإمبراطورية الكبيرة، ولتصف أيضا عملية تفكيكها، واليوم ينشغل الأتراك وبالتحديد النخبة العسكرية التركية بما يعتبرونه محاولات مماثلة هدفها تفكيك تركيا.
وعلى خلفية هذه المخاوف تدور عجلة الحرب وتتصاعد درجة الحرارة على الحدود التركية العراقية، ومن قبيل التبسيط المخل تصور أن تحشد تركيا كل هذا الحشد في مواجهة مقاتلي حزب العمال، فالأزمة أعمق والمخاطر أكبر والواجهة غير كافية لإخفاء ما يحدث خلفها.
العسكر والعثمانيون الجدد
أولى الحقائق التي يجري إغفالها - أو إخفاؤها - أن تركيا أصبحت تعيش بشخصيتين: شخصية قومية متشددة تمثلها النخبة العسكرية وشخصية تعددية منفتحة يمثلها الإسلاميون أو «العثمانيون الجدد»، وبينما يتمدد الإسلاميون ويمدون الجسور مع العالم ويميلون للتواؤم والتهدئة ينكمش العسكر ويتقلص نفوذهم وبالتالي يشعرون بالمزيد من التوتر ويجنحون للمزيد من التشدد.
وفي الحقيقة فإن رغبة العسكر في الاحتجاج أكبر وأعمق من أزمة حزب العمال الكردستاني. وحسب قائد القوات المسلحة التركية فإنها تواجه هجوما منتظما من «الأعداء» في الداخل والخارج لكنها «لن تتراجع عن دورها في الدفاع عن الدولة المركزية ونظام الحكم العلماني».
ولم يفت الجنرال يشار بويوكانيت رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة أن يؤكد معارضة الجيش الشديدة لقيام دولة كردية مستقلة في العراق المجاور، على أساس أن هذا يمثل خطورة على الأمن القومي التركي». وقال حرفيا «إن القوات المسلحة التركية هدف لهجمات منتظمة ومنحازة سواء في الداخل أو الخارج. هناك حد لصمتنا الجزئي». (الشرق الأوسط 2 أكتوبر 2007)
التلويح بالغضب إذا ليس وليد عملية عسكرية يقوم بها حزب العمال بل هناك شعور عميق بأن البيئة الإقليمية المحيطة بتركيا تتغير على نحو يهدد بقاءها كـ «دولة مركزية» وبأن تحولات تحدث في الداخل تهدد صبغتها العلمانية،
ولا يكاد أحد يتطرق بشكل جاد لدلالة هذا الموقف الذي يقترب من التقديس للدولة المركزية كشكل للتنظيم السياسي. وبديهي في ظل هذه الحقيقة أن زوال الدولة المركزية في العراق مع زوال النظام البعثي والتوافق الأميركي العراقي على الفيدرالية يشكل متغيرا إقليميا من العسير جدا التكيف معه، ولكن في الوقت نفسه يعد من قبيل المجازفة الخطيرة الوقوف في وجهه علنا كونه خيارا تحميه الإرادة الأميركية وإدارتها!
رسائل الكونغرس
وفي تقديري فإن رسائل الكونغرس الأميركي للنخبة العسكرية التركية يشكل محركا أقوى بكثير من العمليات العسكرية لحزب العمال، فخلال أسابيع قليلة كان هناك مشروع قرار لإدانة المذابح التي تعرض لها الأرمن في تركيا عام 1915 وقرار آخر غير ملزم بتقسيم العراق.
وقرار إدانة مذابح الأرمن يثير القضية نفسها التي يثيرها التدخل العسكري في شمال العراق وهو أن الأمن القومي «مقدس» يجوز في سبيله استباحة أي شيء. وفي تقديري فإن رد الفعل التركي قد عكس عجزا واضحا عن استيعاب الدروس القريبة في علاقاتهم مع الولايات المتحدة،
إذ أدى تشددهم في المطالبة بدخول عسكري كثيف (3 جنود أتراك مقابل كل جندي أميركي) مقابل السماح بدخول الأميركيين من تركيا لإطاحة نظام صدام إلى جفوة في العلاقات بينهما أعقبت رفض أميركا المطالب التركية والاكتفاء بدخول القوات الأميركية من الحدود الكويتية،
ولو تأملوا مغزى السلوك الأميركي لأدركوا إلى أي حد هم مصرون على تنفيذ أجندتهم مهما كانت الكلفة. وفي هذه المرة أيضا اختار الأتراك الرد الأسوأ على مشروع القرار وهو التلويح بمنع الأميركيين من استخدام قواعدهم العسكرية في تركيا محاولين بذلك مقايضة «المبادئ» بـ «المصالح»،
وهو ما أشار إليه الرئيس بوش في تصريح ملفت حين قال مخاطبا أعضاء الكونغرس: «إننا نأسف جميعا لمعاناة الشعب الأرمني» وأضاف بوش أن «هذا النص ليس الجواب المناسب لعمليات القتل الجماعية التي شهدها التاريخ»، هو إذن يقر بوضوح اتفاقه مع مؤيدي القرار في الإقرار بالمذابح وإدانتها مع اختلافها حول جدوى الرد. وهذا هو في الحقيقة ما يثير غضب النخبة العسكرية التركية.
التفكيك الصامت
وإذا استعدنا التصريح الوارد في صدر المقال لقائد الجيش التركي والتحذيرات الغربية من أي مسعى للانقلاب العسكري على الإسلاميين لمنعهم من التطلع لمنصب رئيس الجمهورية ثم الأجواء التي خلقها انتخاب «الإسلامي» عبدالله غول رئيسا للجمهورية،
ثم تغيير قانون الانتخاب، يمكننا فهم الارتباط بين ما يحدث في الداخل والخارج، فهناك إحساس يعكسه سلوك عسكر تركيا بأن بلادهم هدف لعملية تفكيك تدريجي تتم في صمت والهدف هو بالتحديد ما يعتبرونه مقدسا: الدولة المركزية والعلمانية.
وغني عن البيان طبعا أن المشكلة تتكرر بسيناريوهات متقاربة في السودان وفي المطالبات الأميركية للدول العربية التي يأخذ التنظيم السياسي فيها شكل الدولة المركزية. والخلاف إذن في الأفكار قبل السياسات، والإدانة التي ناقشها الكونغرس لمذابح الأرمن تعكس مزاجا يزداد ترسخا في أميركا
وهو ليس كما يتصور بعض السذج ولا كما يصور بعض المضللين انعكاسا لقوة اللوبي الأرمني فهذا تفسير ينم عن جهل شديد بالكيفية التي تدور بها ماكينة السياسة الأميركية، وربما لو كان بإمكان لوبي أن يرتهن القرار السياسي على هذا النحو لما هذا التأثير مقصورا على اللوبي الأرمني في الولايات المتحدة فليس الأكبر ولا الأغنى ولا الأقوى ولا الأكثر تنظيما ولا الأفعل تأثيرا.
وشكل التنظيم السياسي للدولة والطريقة التي ينبغي أن تدار بها كان في حقيقة الأمر لب الصراع الأميركي السوفييتي طوال أكثر من نصف قرن ولم تفلح سياسة الوفاق التي دشنت عام 1972 بمبادرة روسية في إقناع الأميركيين
بالتخلي عن هدف هدم الاتحاد السوفيي0تي رغم أن هذه السياسة أتاحت للأميركيين ولسنوات الحصول بسلاسة على الكثير من المصالح بالاتفاق مع الدب الروسي، لكن «المصالح» في النهاية لم تكن صالحة لأن توضع في الميزان مقابل «المبادئ» أيا كان رأينا في هذه المبادئ.
كاتب مصري
