«يا بلجيكا، أيتها الأم العزيزة. لك قلوبنا ولك سواعدنا ولك دمنا، يا وطننا الغالي. إننا نقسم لك أنك ستبقين. وستعيشين دائما عظيمة وجميلة.
ولن تنفكّ وحدتك، وسيكون شعارك الخالد هو: الملك والقانون والحرية». هكذا تقول بعض مقاطع النشيد الوطني البلجيكي، وهذا ما أكّده آلاف المتظاهرين الذين جابوا شوارع العاصمة البلجيكية بروكسل يوم الأحد 18 نوفمبر الحالي.
لكن إلى أي مدى يتطابق هذا مع الواقع البلجيكي اليوم بعد أشهر عديدة من عدم القدرة على تشكيل حكومة للبلاد على ـخلفية التوتر بين المجموعتين اللغويتين اللتين تتكون منهما بلجيكا أي (الفلامنديون المتواجدون في الشمال والفالونيون في الجنوب).
ويوجد في بلجيكا مجموعة سكانية هامشية تتحدث اللغة الألمانية، إنما لا يصل عدد أفرادها إلى مئة ألف نسمة. بلجيكا هذه مهددة بشبح التقسيم على قاعدة الشرخ اللغوي، الذي تحوّل إلى شرخ في «الوحدة الوطنية» للبلاد. هذا ما ردده، ويردده، أولئك الذين يتحدثون عن «بلقنة» أو «لبننة» بلجيكا.
وهذا ما أكّدته مجلة «الإيكونومست» اللندنية «المحترمة» بعددها الصادر يوم 6 سبتمبر- 2007 عندما تحدثت عن «لحظة النهاية» بالنسبة لبلجيكا وأضافت أن «طلاقا هادئا على جدول الأعمال. وينبغي أن لا يثير هذا حزن البلجيكيين. فالبلدان تأتي وتروح».
الإعلان عن مثل هذا «الطلاق المخملي» بين الفلامنديين والفالونيين من قبل مجلة «الايكونومست» قد لا يكون إعلانا «بريئا» وذلك من حيث ما تمثله من قوى المال العالمية التي لها دائما «أغراضها الخاصة» وارتباطاتها المحلية.
البلجيكيون يعيشون ويتعايشون معا بسلام منذ 177 سنة ولم يكن هناك من يفكّر جديا بإمكانية «تفجّر» الاتحاد الفيدرالي البلجيكي. لكن مسيرة التاريخ أثبتت أنها قد تحمل الكثير من المفاجآت وأحيانا تلك الأقل توقعا. فمن كان يتصور انهيار جدار برلين بليلة واحدة وتحوله إلى ركام؟ ومن كان يتصور سقوط القوة السوفييتية العظمى لتغدو عبر سلسلة من الأحداث المتسارعة من متاع الماضي؟
«السيناريوهات» المطروحة بالنسبة لـ «الحالة» البلجيكية تتراوح بين القول بإمكانية انضمام منطقة فلاندرة في شمال البلاد إلى هولندة التي يجمعها معها الجذر اللغوي بينما قد تلتحق منطقة فالونيا الجنوبية بفرنسا على قاعدة اللغة المشتركة أيضا، وبين القول بإمكانية قيام دولتين مستقلتين فلاماندية وفالونية؛ هذا إلى جانب إمكانية استمرار المحافظة على الوحدة البلجيكية.
لكن إذا كانت الأزمة قد برزت اليوم فإن جذور الشرخ لها عمقها التاريخي. ففي البدايات الأولى لقيام بلجيكا كان الفالونيون الناطقون باللغة الفرنسية يتمتعون بامتيازات منحها لهم آنذاك تفوقهم الاقتصادي والصناعي والثقافي. وهكذا أصبحت اللغة الفرنسية، وحتى عهد قريب، هي اللغة الرسمية. وتفاخر الناطقون بها على أساس أنها لغة عالمية وليست مجرد لغة محلية محصورة في محيط جغرافي ضيق.
الوجه الآخر لهذا الواقع كان تهميش الناطقين باللغة الهولندية من الفلامنديين وتواضع تمثيلهم في آليات السلطة المركزية رغم أنهم الأكثر عددا بملايينهم الستة مقابل أربعة ملايين من الفالونيين.
لكن الزمن «دولاب»، كما يقال؛ وعجلة التاريخ دارت وتغيرت معالم المشهد البلجيكي منذ عدة عقود، فالفلامنديون فقراء الأمس، أصبحوا أغنياء اليوم ورمز الازدهار فيه اقتصاديا وصناعيا. بالطبع أدّى تغيّر «موازين القوى» إلى محاولة خلق توازنات جديدة على صعيد اقتسام السلطة.
الأمر الذي تمّت ترجمته عمليا بظهور أحزاب فلامندية متطرفة ذات نزعة «شوفينية» لغوية مع أطروحات «شبه» انفصالية تنامت قوتها سريعا بحيث أصبحت تحظى بثقة ناخب من بين كل أربعة ناخبين في السنوات الأخيرة، وأصبح من الشائع اليوم أن توجد على مداخل بعض البلدان لافتات تحمل عبارات من نوع: «هذه البلدة يعيش فيها الفلامنديون بوطنهم».
وتعلن بلدات أخرى أنها تقدّم «تسهيلات» وتقصد بذلك تحديدا أنها تقدم لسكانها الناطقين باللغة الفرنسية خدمات بـ «لغتهم». بل وأكثر من هذا وذاك هناك مدارس فلاماندية تمنع الحديث باللغة الفرنسية بداخلها. وليس بداخلها فقط وإنما أيضا على الرصيف المجاور عندما يأتي الأهل لاصطحاب أطفالهم. الحجّة المقدّمة هي الحرص على «عدم المساس بالصفاء اللغوي» المحيط.
المرجعيات الفكرية للأحزاب اليمينية ذات النزعة الانفصالية تتماشى مع أطروحات تمجّد «فضائل التجزئة» مثل تلك التي نادى بها الاقتصادي النمساوي ليوبولد كوهر عام 1947 في كتابه «تفسخ الأمم» الذي تمثل مقولة «كل ما هو صغير جميل» فكرته الرئيسية؛كما تتماشى مع الخارطة التي رسمها فريدي هنكن عام 1992 وظهرت فيها القارة الأوروبية بـ «75 دولة صغيرة».
وتبقى بروكسل هي «العقدة» التي تتبلور فيها وحولها المعضلة البلجيكية كلها. المدينة موجودة جغرافيا في المنطقة الفلامندية لكن أكثر من 80 بالمئة من سكانها ناطقون باللغة الفرنسية، وبروكسل تشكل «إداريا» منطقة لها برلمانها وحكومتها المستقلة ذاتيا في إطار الدولة الفدرالية. لكن الفلامنديين يسعون إلى خلق «زنّار» لغوي «فلامندي» حولها وإنما منفصل عنها إداريا بحيث تغدو وسط «محيط» من غير الناطقين باللغة الفرنسية.
الوحدة البلجيكية التي «لا انفصام لها»، كما يقول النشيد الوطني للبلاد تبدو مهددة اليوم، وإذا كان مثل هذا الاحتمال لا يزال بعيدا فإنه ليس مستبعدا تماما. فالبلجيكيون «لم يعودوا ينظرون بنفس الاتجاه منذ مدة طويلة» كما عبر أحدهم.
بكل الأحوال، ما ستؤول إليه الأمور في «المختبر البلجيكي» ستكون له آثاره على أمم القارة الأوروبية كلها الصغيرة منها والكبيرة. وبروكسل هي عاصمة الاتحاد الأوروبي الذي قد ترغب بعض القوى في داخل القارة وخارجها في أن «ينفرط عقده».
ما يطمئن حتى الآن هو أنه ليس هناك عنف على قاعدة نفي الآخر واستبعاده. باختصار ليس هناك عداء «قاتل» مثلما يحصل في ساحات أعمى الحقد أبصار متطرفيها.. ومن كل الأشكال والألوان.
كاتب سوري