بداية لابد من القول إن مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل أو ما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط هي واحدة من اعقد المفاوضات والمباحثات والتسويات التي لم يشهد لها تاريخ العلاقات الدولية مثيلا. وربما يعود ذلك إلى تلك البديهيات التي بات الجميع يدركها وهي:
أولاً: إن الطرفين لم يدخلا إلى مفاوضات السلام بدافع ذاتي بل إن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كانا مدفوعين بفعل تلك الظروف والملابسات والوساطات لأطراف ثالثة كان يهمها أن تصبح عملية التفاوض مع إسرائيل جزءا من الحياة اليومية للفلسطينيين وورقة ضغط على جميع القوى الإقليمية والعربية لكي تؤدي هي دور الكابح للمقاومة الفلسطينية.
ثانيا: إن مستوى لغة الحوار والمفاوضة وجدية القواعد الموضوعة لإجبار الطرفين لتنفيذ التزاماتهما وخاصة الجانب الإسرائيلي لم تصل يوما إلى مستوى التشابك والتضاد في القضايا موضوع النزاع بين الطرفين.
ثالثا: إن المماطلة والتسويف والنقاط العمياء كانت الأساس الذي استند عليه الجانب الإسرائيلي في دخوله إلى المفاوضات منذ مؤتمر مدريد 1991 ثم مؤتمر أوسلو 1993 مرورا بكل مؤتمرات السلام واللقاءات والاجتماعات حتى يومنا هذا.
في حين أن الجانب الفلسطيني خصوصا والعربي عموما كان يستند على فردية المطالب وتشتت الأهداف وعدم إيجاد قاعدة يتفق عليها الفرقاء السياسيون العرب الذين انقسموا دائما من أقصى التشدد بمعنى رفض أي نوع أو لون أو شكل للمفاوضات مع إسرائيل على اعتبار أن لا مفاوضات قبل أن تعيد إسرائيل الحقوق العربية والأراضي المحتلة.
أما القسم الثاني فهم أقصى الليونة والتنازل والحب المكبوت طويلا والذي طالما تفجر على شكل قبل بين الزعماء الإسرائيليين والزعماء العرب تلك التي كسرت ذلك التابو المحرم الذي كان يعتبر مجرد المصافحة مع أي من الزعماء الإسرائيليين هو اعتراف بإسرائيل وخيانة للعرب ولقضيتهم.
وبين الفريقين المتشددين والمتنازلين غابت فاعلية الفريق الثالث وهو فريق المنطق والعقل والاعتدال ليس بطريقة بوش وكوندوليزا رايس بل الاعتدال بطريقة تحكيم منطق الحقوق المشروعة والمعاملة بالمثل
والنظر إلى عملية السلام على أنها كل متكامل لقضية لا تعني طرفا دون آخر أو فريقا دون غيره انها قضية المطالبة بالحق العربي المسلوب الذي يبدأ بالأرض وليس بالمعاملات والمجاملات ومن الحق بالأرض إلى الحق بالحصول على حقوق العرب كل العرب على مر تلك السنين التي انتهزت إسرائيل فيها الفرصة للتوغل والهيمنة في الأرض العربية.
وعليه بين تياري المتشددين إلى الحد الأقصى والمتنازلين إلى الحد الأعمى، تأرجحت عملية السلام في الشرق الأوسط إلى الحد الذي أصاب العرب بالدوار بسبب هذا التأرجح وما رافقه من انقسام الفرقاء العرب وتشتت المطالب العربية.
بل واحتدام الصراع بين الفريق الفلسطيني الواحد الذي كان بالأمس رمزا للمقاومة الرائعة والتاريخ النضالي الذي كان مثالا للعالم هذا الفريق وعلى طول طريق السلام الوعر تحول إلى فريقين وطرفي نقيض كل طرف له رؤيته ومطالبه وكل طرف يتباهى بتمسكه الأعمى أو البصير بأولوياته التي يرى أنها أولويات القضية الفلسطينية تلك القضية التي لم ولن يخدمها أبدا الانقسام والتشرذم والتشتت.
اليوم وصلنا إلى أنابوليس على اعتباره حلقة من مسلسل عملية السلام في الشرق الأوسط هذه الحلقة متميزة بعدد من المستجدات غير المسبوقة ربما تأتي في مقدمتها أن مؤتمر أنابوليس جاء بعد توقف طويل لتلك المؤتمرات الكبيرة من صنف أوسلو ومدريد تلك المؤتمرات التي تشكل منعطفا محوريا في العلاقات العربية الإسرائيلية.
كما وان هذا المؤتمر يعد أول سابقة للتدخل المباشر المعلن لبوش وإدارته في قضية الصراع في الشرق الأوسط اختلفت عما درجت عليه الدبلوماسية الأميركية من الرفض المستمر للتدخل الدولي في حل الصراع العربي _الإسرائيلي كما وان هذه الخطوة كانت مفاجئة ليس فقط في توقيتها
بل وكذلك في إصرار الولايات المتحدة على الإسراع في القيام بها.هذا الموقف الأميركي يأتي بدافعين أساسيين:
أولاً: الرغبة الأميركية باستثمار الانقسام المأساوي الذي وقع بين حركتي فتح..و حماس بعد الانقلاب الذي قامت به الأخيرة ضد السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس. حيث إن إدارة بوش رأت في هذا الانقسام فرصة ثمينة ينبغي اغتنامها ليس فقط لعزل حماس وإنما أيضاً لدعم حكومة محمود عباس باعتبارها ممثلة لقوى (الشرعية) و(الاعتدال) التي يمكن أن تكون الطرف الفلسطيني الذي يفاوض إسرائيل.
وهو ما أكده المتحدث باسم الخارجية الأميركية شون ماكورماك الذي اعتبر أن المؤتمر سيمهد للدعم الدولي لجهود كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، كما سيكون منطلقا «للمفاوضات التي ستضع نصب عينيها إقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية» وفق تعبير ماكورماك.
ثانيا: الولايات المتحدة تبحث في الشرق الوسط عن حل عملي لأهم هواجسها ألا وهو احتمالات تطور القدرات النووية الإيرانية بما تحمله من إمكانية حصول إيران على القنبلة النووية في لحظة ما. وبالتالي فان الولايات المتحدة تحاول أن تبحث عن وسائل لتهيئة البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط لكي تكون متوازية مع الخط الأميركي
وذلك يتم من خلال إبراز جدية الولايات المتحدة في حل القضية الجوهرية في الشرق الأوسط ألا وهي الصراع العربي _الإسرائيلي إضافة إلى الوعود الأميركية السخية بتقديم المساعدات العسكرية السخية إلى بعض الدول العربية وكذلك جهود تهدئة الأوضاع في العراق.
وبناء عليه فان الولايات المتحدة تحاول أن تجعل ارض أنابوليس فردوسا مثمرا لجميع من سيدخلها وذلك من خلال رفع سقف التوقعات ورسم الآمال الوردية لجميع الأطراف. وهو ما قامت به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس
التي أعلنت أن أنابوليس سيكون عملية إطلاق جديدة لمحادثات سلام من المؤمل أن تفضي إلى اتفاق نهائي قبل أن تغادر هي والرئيس جورج بوش الإدارة الأميركية. كما وصفته «بخطوة كبيرة جدا نحو إطلاق هذه المفاوضات بدعم دولي».
وأضافت «لقد قالت الأطراف إنها ستبذل جهودا للتوصل إلى هذا أثناء ولاية الرئيس. وهذا ما سنحاوله وما سنقوم به. ولا أحد يمكن أن يضمن النتيجة النهائية. وكلّ ما علينا فعله هو بذل أفضل جهودنا».
وعلى الرغم التطمينات والوعود الأميركية إلا أن ارض الشرق الأوسط ليست ممهدة أبداً لسلام مع الذات فكيف بسلام مع ند موارب كإسرائيل وعليه فان السائرين إلى فردوس أنابوليس سرعان ما سيدركون طول المسافة بين أوهام السلام الصعب وحقائق الأرض المشتعلة، انها ذات المسافة بين الشرق الأوسط وسلام أنابوليس.
كاتبة عراقية