تزدحم منطقة بالوفود الأجنبية من كل حدب وصوب وبالزيارات المكوكية لرؤساء الدول ورؤساء وزرائها تحضيراً لمؤتمر آنابوليس المتوقع حضوره من قبل 49 دولة وهيئة دولية.

وهذا المؤتمر الذي وجهت الدعوات لحضوره الثلاثاء المقبل 27 نوفمبر ما زال يكتنفه الغموض قبل أيام معدودة على انعقاده، في ظل رفض إسرائيل التقيد بجدول زمني لمفاوضات الوضع النهائي وتملصها من تقديم أي وعد بوقف بناء المستوطنات وإقحامها مفهوم (وطن لليهود) كشرط للدخول في محادثات.

وفي الوقت الذي لا يتوقع من المؤتمر إحداث اختراقات ذات مغزى للفلسطينيين، فإن التجمهر الدولي الذي يحشد له لا شك سوف يشكل لإسرائيل معيناً للإشارة إلى التعامل الرسمي الدولي والعربي معها، في حين جل ما يؤمله الفلسطينيون من هذا المؤتمر هو على الأقل بعض الخطوات الميدانية على الأرض لتخفيف ظروف المعاناة اليومية الصعبة التي يرزحون تحتها.

ولكن حتى على هذا المستوى لا تبشر الوقائع على الأرض بالخير للفلسطينيين، فوزير الدفاع الإسرائيلي باراك، لم يقم ببادرة حسن نية واحدة للإشارة إلى رغبة إسرائيل في أي تنازلات للطرف الفلسطيني من مثل خطوات ملحوظة في مجال الإفراج عن الأسرى أو رفع الحواجز أو وقف التعدي على المواطنين،

بل أكثر من ذلك فإنه يدافع عن حقوق المستوطنين بمن فيهم سكان المواقع الاستيطانية غير المرخصة من الحكومة الإسرائيلية عوضاً عن موقفه المعارض أصلاً لتجميد المستوطنات، كما يستمر في حصار قطاع غزة مسبباً المزيد من جرائم الحرب التي باتت تطال المرضى والمصابين والجرحى من الفلسطينيين أيضاً.

والمؤتمر بحسب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش سوف يشكل نقطة انطلاق لمحادثات تقود إلى قيام دولة فلسطينية، وإذا كانت نقطة الانطلاق تلك كما يراها الشعب الفلسطيني ما فتئت تمارس الاكروباتية بالقفز خطوتين إلى الوراء عند كل منعطف،

فإنها في المقابل كانت تسابق الزمن بالنسبة لإسرائيل، وما مبادرة الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، بالدعوة إلى عقد لقاء آنابوليس بجدول أعماله الغامض إلا «همرجة» سوف ينتفع منها أولمرت بحمله معه صوراً تذكارية ومصافحات إلى إسرائيل من دون نتائج واضحة تتضمن ما يزيد من موقفه الهش ضعفاً داخل ائتلافه، وهي لم تأت متأخرة ست سنوات إلا لتستفيد من ضعف وهزال وتشتت الموقف العربي الرسمي.

وفوق هذا كله ليس هناك التزام واضح من الرئيس بوش بتحقيق إنجاز يغير من واقع المسار الفلسطيني-الإسرائيلي، ويقول مارتن أنديك السفير الأميركي السابق إلى إسرائيل انه لمأساة أن بوش بات يدرك الآن في نهاية ولايته

أهمية موضوع حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ويدعوه لتجاوز التصريحات الداعمة لقيام دولة فلسطينية إلى الدخول في (مسائل الوضع النهائي) مثل القدس واللاجئين، مؤكداً بأن هذا يتطلب منه التزاماً رئاسياً.

لكن الظروف تشاء أن بوش الابن اليوم يعيش أيامه الأخيرة في منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية وفي ظل تدن كبير في شعبيته على أبواب انتخابات الأميركية المقبلة مع إخفاقات الحرب على العراق وحالة التأزم التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وهو فعلاً لم يكن معنياً بحل هذا الصراع لا نهجاً ولا سياسة،

وما يسعى إليه اليوم مجرد بهرجة بأنه استطاع أن يحقق أمراً ولهذا تشدد كوندوليسا رايس على «أكبر تأييد عربي ممكن في آنابوليس»، بل ان البعض يرى بأن الاجتماع موجه لإيران أكثر منه رؤية لحل للصراع العربي الإسرائيلي.

وهذا الواقع المتأزم الذي يعيشه الرئيس الأميركي تعيشه أيضا القيادة الفلسطينية والإسرائيلية مما يحول دون إحراز أي نتائج ترجى لصالح الفلسطينيين حتى لو قصدت الإدارة الأميركية فرض ضغوطات على إسرائيل، فالفلسطينيون باتوا منقسمين على أنفسهم بين حماس وفتح،

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي فما زال يعاني من صدمة حرب لبنان وفضائح الفساد واعتماده في البقاء في منصبه على شركاء متشددين، وبالتالي فهو أضعف من أن يستطيع تسويق مشروع تنازلات من أي نوع وعلى أي صعيد، خصوصاً وأنه ليس هناك أصلا ما يدفعه إلى ذلك على صعيد موازين القوى القائمة دولياً وإقليمياً وفي الداخل الإسرائيلي.

وفي ظل هذه الأوضاع، لا يأمل الشعب الفلسطيني شيئاً من اجتماع آنابوليس، وتبدو السياسة العالمية اليوم غير معنية بما يتعرض له من تقتيل وجرائم، وإذا ما كان يرغب في رفع المعاناة عن نفسه، فإن الطريق إلى ذلك لن يكون طريقه الاجتماعات الدولية على ما تبدو عليه الصورة.