شهدت الشهور الماضية تنامياً ملحوظاً في اللقاءات الروسية -السعودية، ويمكن القول انه عقب زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله عندما كان وليا للعهد عام 2003، بدأت المشاورات الروسية- السعودية تأخذ طابعا أكثر جدية، بدءاً من زيارات الأمير بندر بن سلطان إلى موسكو والتي كرست تقاليد التشاور بشكل دوري بين قيادات البلدين.
حيث كان الأمير بندر يلتقي خلالها مع عدد من المسؤولين الروس لبحث عدد من الملفات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وتبادل وجهات النظر بهدف تنسيق الجهود في إطار مساعي البلدين لحل أزمات الشرق الأوسط.
ولعل زيارته الأخيرة والتي التقى خلالها مع الرئيس فلاديمير بوتين عكست بشكل ما تنامي مستوى التنسيق بين البلدين في مختلف المجالات، وعززت توجهات الرياض نحو تعميق مبدأ التوازن في سياساتها الخارجية بين الغرب والشرق.
وتأتي زيارة ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز إلى موسكو لتؤكد توجهات السعودية نحو توطيد صلات التعاون مع روسيا.ومما لاشك فيه أن السعودية وروسيا يعتبران من اكبر منتجي ومصدري الطاقة في العالم، ما يجعل للتعاون المشترك أهمية كبيرة لا تقتصر على أطار المصالح الثنائية، وإنما تؤثر أيضاً على أوضاع سوق الطاقة العالمي.
وعلى مدى السنوات الأخيرة، يمكن أن نلمس وجود احتياج موضوعي لدى مختلف بلدان العالم إلى تواجد أقطاب متعددة في المجتمع الدولي، بهدف احتواء حالة القطبية الأحادية المسيطرة على الساحة الدولية والتي تقودها الولايات المتحدة.
وذلك بالرغم من وجود علاقات صداقة وتحالف عسكري أو سياسي مع هذا القطب الأوحد من جانب دول الشرق الأوسط، ولكن هذه الدول الصديقة للولايات المتحدة تشعر بأن حالة الأحادية ليست حالة طبيعة في العلاقات الدولية، وتتسبب أحياناً أن لم يكن في أغلب الأحوال في ضرر كبير لمصالح هذه الدول،
خاصة ان مشروعات واشنطن في إعادة رسم ملامح الساحة الدولية طالت هذه الدول الصديقة، بل وأصبحت مخططات واشنطن تهدد سيادتها ووحدتها. وهو ما يكشف عنه بوضوح وصراحة النموذج العراقي.
وكان من المنطقي أن تسعى هذه الدول إلى الانفتاح على أكثر من قوة دولية سواء كانت قوة صاعدة كالصين والهند، أو على روسيا التي بدأت تستعيد عافيتها، وتشكل قوة سياسية، تحقق نفوذا متوازنا يمكن أن يخفف من ضغوط القوة الأحادية في العالم المعاصر.
إضافة لذلك تبين لعدد من دول العالم أن القوى الدولية الأخرى يمكن أن تكون مصدرا للخيرات، وان التعاون معها يمكن أن يحقق منافع اقتصادية متعددة، وفي هذا السياق يمكن أن نتفهم انفتاح دول الخليج وبلدان أميركا اللاتينية وشرق آسيا على التعاون مع روسيا.
وقد وضعت موسكو سياسة تبادل المنفعة كأرضية لبناء علاقاتها السياسة في المجتمع الدولي، ما منحها موقعا متقدما عن الولايات المتحدة، التي لم تعد تهتم بأن يتمكن حلفاؤها أو شركاؤها من تحقيق منافع خلال التعاون المشترك، بل ان إدارة البيت الأبيض باتت تلوح بالقوة إذا ما واجهت اعتراضات من بعض الدول التي تحاول الحصول على بعض المكاسب للنهوض بمجتمعاتها.
وبشكل عام يأخذ التعاون بين موسكو والرياض مناحي متعددة، إلا أن قطاع الطاقة مازال يعتبر المجال الاستراتيجي بالنسبة للبلدين، وبالرغم من ان التعاون في هذا المجال مازال محدودا، فلابد من القول بأن له آفاقاً حيوية، لأن التعاون بين البلدين لا يقتصر على مراقبة الأوضاع وتأمين الاستقرار الدولي في مجال الطاقة بل يتعدى ذلك إلى التطبيق العملي للشراكة،
والذي يتمثل في توظيف الاستثمارات من الجانبين في هذا القطاع الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. من المعروف أن السعودية تحتل المركز الأول في العالم من حيث احتياطي النفط المكتشف والرابع في مجال الغاز الطبيعي،
بينما تشغل روسيا المرتبة السابعة- من حيث احتياطي الطاقة- بين الدول المنتجة للنفط والأول من حيث احتياطي الغاز الطبيعي، إضافة إلى أنها تعتبر من أكبر مصدري الغاز والنفط، إلا أن المنافسة بين الدول لا تمنع القيادات السياسية والنخب الاقتصادية في البلدين من إجراء المشاورات وتقييم الأوضاع في الأسواق النفطية، بهدف اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق الاستقرار.
وقد قطعت موسكو والرياض شوطا في التعاون على عدة محاور، حيث يتم تشكيل شركة استثمارية مشتركة تقدر حصة شركة (لوك اويل) الروسية فيها 80%، فيما يقدر نصيب شركة( ارامكو) 20%، حيث ستعمل هذه الشركة في مجال استخراج الغاز في الربع الخالي.
وتشكل فترة الاستكشاف الجيولوجي خمس سنوات، أما صلاحية العقد فتستمر 40 سنة، وتقدر التكاليف بحوالي 200 مليون دولار. وفي حالة اكتشاف احتياطي مجد اقتصاديا من الغاز تحصل الشركة الروسية على حق المشاركة في تصديره.
ولا يقتصر اهتمام الشركات الروسية على قطاع الطاقة السعودي، وإنما يتوسع ليشمل قطاع الطاقة الكهربائية، حيث تقدمت شركة (شبكة الطاقة الكهربائية الروسية الموحدة) بعرض للمساهمة في تنفيذ خطط تطوير شبكات الطاقة في السعودية، وبعرض للمشاركة في المشروع الدولي لإنشاء شبكة طاقة موحدة لبلدان الخليج العربي.
وعلى صعيد آخر تحرص شركة (السكك الحديدية الوطنية الروسية) على المشاركة في المناقصة الدولية لإنشاء خط السكك الحديدية في السعودية (الشمال- الجنوب)، الذي يصل طوله إلى 2400 كم، حيث تبلغ كلفة المشروع إلى ملياري دولار.
ويعتبر مشروع البنية التحتية هذا عن حق أحد أكبر المشاريع في الشرق الأوسط.ولعل التعاون بين روسيا والسعودية في مجال إطلاق الأقمار الصناعية يعكس إرادة الجانبين على التعاون المثمر.
لابد من القول أن مجالات التعاون بين البلدين متنوعة وذات آفاق واسعة، بل أن موسكو والرياض لهما مصلحة في استقرار الأوضاع في المنطقة انطلاقاً من قناعتهما بضرورة توفير الظروف السياسية الملائمة لاستقطاب الاستثمارات والنهوض باقتصاديات بلدان الإقليم.
وهذا ما يعود بنا إلى تقارب المواقف السياسية بين البلدين، ولقد دعت موسكو والرياض لتجنب العمليات العسكرية ضد العراق، لإدراكهما أن هذه العمليات لن تجلب إلى المنطقة سوى الدمار والتوتر،
ويدعو البلدان لحل سلمى للملف الإيراني في نفس الوقت الذي يرفضان فيه أن يكون برنامج طهران النووي الأداة لامتلاك إيران للسلاح النووي، لما يعنيه هذا من مزيد من التوتر واضطراب الأوضاع السياسية في المنطقة آفاق التعاون الروسي- السعودي رحبة وواعدة،
إذا لم تواجه معوقات من جانب الصديق الأميركي، الذي يرى في أي علاقات تعاون ثنائي خطر يهدد مصالحه، ولا يدرك أن ازدهار دول المنطقة هو السبيل الوحيد لتحقيق المزيد من المكاسب ليس فقط لسكانها وإنما لكل الأطراف التي لديها مصالح في هذا الإقليم.
مركز دراسات الطاقة روسيا