انتهى الأربعاء 21 نوفمبر أول منتدى للأمن الداخلي والعالمي والذي عقد في العاصمة البحرينية المنامة على مدى ثلاثة أيام، لكن المؤتمر الذي حضره وزراء داخلية ومسؤولو أجهزة أمن وخبراء في مكافحة الإرهاب والجريمة من أوروبا والبلدان العربية وآسيا وأفريقيا وأميركا شكل علامة فارقة.

فللمرة الأولى، لم يطغ الهجاء المعتاد للإرهاب على مداولات المؤتمر ولم نسمع تلك الآراء التي بقينا نسمعها على مدى السنوات القليلة الماضية التي تقدح في الإرهاب وشروره المتعاظمة. بل على العكس، فان القراءة المتأنية في مداولات المؤتمر وبيانه الختامي تشير دون ريب إلى تحول في وجهات النظر لدى الحكومات والمعنيين حيال جملة من المفاهيم المرتبطة بقضايا الأمن والإرهاب.

لقد شهد المؤتمر مداخلة لقائد عام شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان تميم لم يتردد كثيرون في وصفها بأنها «جريئة» حيث اعتبر ضاحي خلفان أن سياسات الولايات المتحدة مسؤولة عن تنامي الإرهاب في السنوات الاخيرة،

فيما يذهب البيان الختامي للمؤتمر إلى القول صراحة إن المخاطر الكبرى التي تواجه الأمن العالمي تعود إلى احتكار الدول النافذة للقرارات المصيرية كقرارات الحرب واعتماد القوة العسكرية أسلوبا لحل النزاعات.

ويمضي أكثر ليقول إن أبرز المشكلات والتهديدات التي يواجهها العالم اليوم تتمثل في الإفراط في استخدام القوة في العلاقات الدولية وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا والأزمات الدولية وتحديدا القضايا التي تخص منطقة الشرق الأوسط ووجود بعض المشكلات العالقة وأهمها وأخطرها القضية الفلسطينية.

لم ينس بيان المنتدى العالمي أن يشير إلى مشكلات أخرى تمثل تهديدا للأمن العالمي مثل «العولمة بما تفرضه من تحديات» وعدم توازن القوى والتداخل بين العناصر الإقليمية والدولية وأسلحة الدمار الشامل بما تحمله من مخاطر شتى والإرهاب بكل أشكاله والتخوف من نشوب حرب جديدة ونزاعات إقليمية واضطرابات داخلية.

إن هذا التوصيف الدقيق لا يشير إلا إلى دولة واحدة وقوة كبرى مؤثرة في السياسات الدولية هي الولايات المتحدة. فالإفراط في استخدام القوة والتفرد في اتخاذ قرارات الحرب التي تلقي بتأثيراتها على أقاليم ودول عديدة هو ما فعلته الولايات المتحدة بالضبط حين قررت غزو العراق رغم معارضة المجتمع الدولي بأسره.

أما المخاطر التي يحملها استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، فهي مسؤولية تتحملها بجدارة دولة كبرى واحدة هي الولايات المتحدة. والتحليل الذي يرى أن تنامي الإرهاب في احد دوافعه الرئيسية ليس سوى رد فعل ظل تحليلا صحيحا منذ سنوات إلى أن جاء هذا المنتدى ليؤكد صحته مثلما ذهب إليه الفريق ضاحي خلفان أيضا.

والفريق خلفان ليس ممن يمكن وصفهم بأنه معاد للولايات المتحدة، بل هو مسؤول أمني كبير في بلد صديق للولايات المتحدة. ومثله أيضا وإن بجرعة عالية من الدبلوماسية اللواء الركن عبداللطيف الزياني رئيس الأمن العام في البحرين الذي أعلن في كلمة ألقاها في ختام المؤتمر أن ظاهرة الإرهاب

رغم أنها لها جذور سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، أضحت ظاهرة عابرة للحدود وباتت بمثابة رد فعل بغيض لأحداث وسياسات وصفت بأنها نتاج للقيم والمصالح الغربية التي فرضت على الشرق الأوسط.

ومن وجهة نظري فان المناقشات وما جاء في البيان الختامي للمؤتمر وما ذهب إليه المتحدثون، تعيد طرح أسئلة جوهرية حول الإرهاب. الأول، لماذا أصبح الإرهاب عابرا للحدود ويضرب في كل مكان؟

أما السؤال الثاني فهو جد بسيط: ما هي جذوره وأسبابه؟. من الواضح أن التوصيف الدقيق للتحديات التي تواجه الأمن في العالم اليوم التي شخصها البيان الختامي للمؤتمر بدقة إنما هي جواب على السؤال الثاني.

فالسياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة طيلة العقود الماضية وحتى اليوم لم تفعل سوى إن أدت إلى تفاقم مخاطر الإرهاب وعولمته على النحو الذي شهده العالم منذ 11 سبتمبر على الأقل. لقد كانت القراءة الصحيحة لظواهر الإرهاب في بدايتها متوفرة منذ أواخر الثمانينات لكن تم الالتفات عنها بصلف وغرور.

انطلقت التحذيرات مبكرة منذ الثمانينات ومطلع التسعينات. فالصراع العربي الإسرائيلي الذي يشار له اليوم بان آخر الصراعات الباقية وأكثرها خطورة ظل محور كل التحذيرات المبكرة من تنامي ظاهرة الإرهاب وهو سبب جوهري لهذه الظاهرة. أما الديمقراطية ومستويات المعيشة المتدنية فهي أسباب أخرى تتضافر كلها لتشكل البيئة المثالية لصناعة أجيال يغلبها اليأس.

لكن لم يمض وقت حتى اجترحت إدارة جورج دبليو بوش أعجوبة أخرى لتضيف إلى ماكينة صنع الإرهاب محفزا جديدا هو غزو العراق. أما النتيجة فهي واضحة تماما: لقد أصبح الإرهاب معولما وتخطى الحدود، ومنذ 11 سبتمبر لم يعد العالم مكانا آمنا وأصبح الإرهاب هو العدو الجديد الذي يتعين محاربته بعد نهاية الحرب الباردة.

كل هذا والدولة العظمى الوحيدة توالي سياساتها دون اكتراث وتسعى لإعادة صياغة العالم وأسس العلاقات الدولية من جديد وفق رؤاها ومصالحها فحسب متغافلة عن سبب رئيسي يغذي ماكينة صنع الإرهاب هو «الإذلال».

الإذلال هو الحقيقة الوحيدة الراسخة لدى العرب في صراعهم مع إسرائيل ولا شيء يوازي هذا العنصر في فعاليته المدمرة. وليس بالإمكان هنا الإشاحة عن جدار الانحياز الفاضح والعمى الأخلاقي الذي بقيت تتمسك به الإدارات الأميركية المتعاقبة حيال الفلسطينيين والعرب الذي لم يثمر سوى إذلال متواصل لا حد له لا يفعل سوى أن يولد اليائسين جيلا بعد جيلا

كاتب بحريني