هذه هي أحلام اليقظة لدى الولايات المتحدة: أن يتولى السلطة العليا في لبنان رئيس وحكومة يتجاوبان تماماً مع واشنطن في تجريد «حزب الله» من السلاح وتدجينه سياسياً للتمهيد لإبرام معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل.

أن تسفر الصراعات السلطوية في العراق أخيراً عن قيام نظام على رأس أجندته الإستراتيجية تطبيع العلاقات مع إسرائيل وأن تنفصل كردستان في الوقت نفسه كدولة ذات سيادة تدشن عهدها الجديد بإقامة خط أنابيب كركوك ـ حيفا لتزويد الدولة الإسرائيلية بإمدادات نفطية مستديمة.

أن يقوم تصالح إستراتيجي بين مؤسسة السلطة في تركيا و«حزب العمال الكردستاني» يتضمن موافقة تركية تاريخية على قيام كيان حكم ذاتي للأكراد في الإقليم الجنوبي الشرقي. أن يقوم نظام حكم عميل في أفغانستان بعد أن تنجح قوات الأطلسي في سحق قوات طالبان وتنظيم «القاعدة» واعتقال أسامة بن لادن.

هل تتحقق هذه الأحلام على المدى القريب أو المدى البعيد؟ أولاً: وعلى المستوى النظري ليس في علم «العلاقات الدولية» أحلام. وكذلك على المستوى العملي في ساحة الصراع الدولي. هناك هدف.. وهدف مضاد. وكل منهما ينبغي أن يكون مرسوماً برؤية علمية استناداً إلى واقع الحقائق الجيو ـ سياسية في أي بقعة في العالم يجري عليها التصارع بين الهدف والهدف المضاد.

في لبنان بات من الثابت حتى الآن أن نزع سلاح حزب الله من رابع المستحيلات.. لا عن طريق القوة الناعمة ووسائلها السياسية السلمية ولا عن طريق القوة الخشنة، واسألوا جنرالات إسرائيل. في العراق «رابع مستحيلات» آخر. فالأرجح في حالة انسحاب أميركي نهائي من العراق أن يتحول العراق على الفور إلى دولة شيعية على غرار النظام الإسلامي الإيراني.

وعلى هذا النحو ستكون بغداد حليفاً إستراتيجياً ثابتاً لطهران. ومثل هذه الدولة لن يكون على أجندتها الاعتراف بإسرائيل. من ناحية أخرى فان أغلب الظن أن الولايات المتحدة لن تتخذ قراراً نهائياً بالانسحاب من العراق قبل أن تضمن تحول إقليم كردستان من حكم ذاتي إلى دولة مستقلة.

لكن هذه الدولة المستقلة لن تعمر. فما إن يكتمل الانسحاب الأميركي حتى تنقض تركيا على «الدولة» الكردستانية. وعندما يحدث ذلك فإنه سيعني استبعاد أي تصالح بين مؤسسة السلطة التركية وأكراد تركيا كما يمثلهم «حزب العمال».

أما في أفغانستان فان كافة المؤشرات المرئية تدلل على أن هزيمة نهائية لقوات الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة على أيدي قوات طالبان أصبحت مسألة عد تنازلي. ها هي الحرب على الأرض الأفغانية قد أكملت عامها السادس والقوات الغربية تتراجع بينما قوات طالبان تزداد جسارة بعد أن أصبح زمام المبادرة الهجومية في يدها.

ثم إن الحسابات الأميركية لا تأخذ في الاعتبار علاقة الأشياء ببعضها البعض في ساحة الصراع الدولي، فبينما تهدد واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران لمحاولة تدمير المنشآت النووية الإيرانية فان حساباتها لا تشمل رد فعل حزب الله اللبناني وائتلاف المنظمات الشيعية في العراق.

وبينما تعقد تحالفاً إستراتيجياً مع أكراد العراق فإنها لا تحسب حساب رد الفعل التركي. وبعد فوات الأوان تدرك واشنطن أن حربها في أفغانستان أدت إلى تقارب بين تنظيم طالبان السني وإيران الشيعية. لهذا كله تتحول أحلام اليقظة الرومانسية إلى كوابيس واقعية.