تبدو فرص نجاح مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة الأميركية ضئيلة جداً، بالصورة التي رسمها قادة إسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية، من جهة استبعادهم التوصل لأي اتفاق سلام مع الفلسطينيين قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش، بما يعني أن المؤتمر الذي سيعقد بدعوة منه في ذكرى صدور قرار تقسيم فلسطين، لن يثمر شيئاَ ملموساً، ولن يحرك قطار التسوية السلمية المعطل منذ سنوات.
ويصب في اتجاه إفشال المؤتمر قبل انعقاده إصرار إسرائيل على اعتراف العرب بطبيعة الكيان كدولة ووطن قومي لليهود، أي بمعنى صريح إسقاط حق عودة ملايين اللاجئين الذين طردوا بقوة الاحتلال وسطوة الغاصب من أرض فلسطين. يضاف إلى ذلك الإصرار على اغتصاب القدس واستمرار عمليات طمس طابعها العربي، تمهيداً لإعلانها رسمياً عاصمة موحدة لإسرائيل.
ناهيك عن عمليات الاستيطان الصهيوني التي تجري على قدم وساق، وتعيد رسم خريطة مشحونة بألغام تنفجر في وجه كل من يحاول إقامة دولة فلسطينية حقيقية، وليس كياناً (كرتونياً) لا يحمل من الدولة إلا الاسم والعلم والنشيد.
في مقابل الصورة القاتمة التي ترسمها القيادة الإسرائيلية للمؤتمر، وشحنه بحزمة مطالب وابتزاز، والوضع الذي يجسده الداعي الأميركي وحرصه على عقد المؤتمر بأي شكل وتحت أي ظروف بصرف النظر عن النتائج، حيث التركيز على الانعقاد في حد ذاته كطوق نجاة لإدارة غارقة حتى قمة رأسها في أزمات، وتجاهد لعدم تحميل حزبها الجمهوري عبء فشلها.
خلافاً لهذه الصورة، يبدو المشهد على الجانب العربي أكثر إيجابية وعقلانية في التعاطي مع المؤتمر لجهة إنجاحه حتى في الحد الأدنى المتاح، وحرص الأطراف العربية كلها على جعله فرصة لإعادة إحياء عملية السلام،
وسد الثغرات أمام الراغبين في التلاعب بالمسارات على طريقة (فرق تسد). أي وضع تحريك قطار المفاوضات على المسار الفلسطيني في مواجهة المسار السوري أو اللبناني، بطريقة تشتت الجهود العربية، وتفتح الباب واسعاً أمام إسرائيل لانتزاع التنازلات من أصحاب الحقوق المشروعة.
ويزيد من إيجابية الموقف العربي انه يجيء في لحظة تحول مشحونة بمولدات الفوضى وخلل موازين القوى، وتداخل المراحل والمهام، وخلط الأوراق بطريقة يستعصى معها إرساء مرجعيات ومعايير متفق عليها تحدد أين الخطأ وأين الصواب. وتشل يد من يريد تصحيح المسارات والانخراط في عمل قومي جاد.
في سياق كهذا، جسد العرب أمس موقفاً يحقق الحد الأدنى من الإجماع ووحدة الصف كمقدمة ضرورية قبل ذهابهم إلى أنابوليس. وتحويل مشاركتهم من ضيوف شرف كما كان يرغب الداعون أو الطرف الإسرائيلي، إلى مشاركين أصلاء أصحاب حق مشروع لا يسقط بالتقادم مهما تكاثر الأكلة على (قصعة الأيتام)، مثلما حدث في مناسبات ومؤتمرات سابقة في واي ريفر (1 و 2) وكامب ديفيد.
والحاصل أن إسرائيل كانت ترى في انعقاد أنابوليس مناسبة تاريخية لإجبار العرب على التطبيع معها، أي انتزاع الاعتراف وإقامة علاقات دون أن تتخذ خطوة واحدة باتجاه إعادة أي قدر من الحقوق المغتصبة إلى الفلسطينيين أو السوريين أو اللبنانيين.
وبالتالي جعل العرب إلى الأبد الطرف الأضعف الذي يفرط في حقه دون أن ينتزعه. إلا أن الاجتماع الوزاري العربي بدد أوهام إسرائيل وأغلق باب التطبيع المجاني، ورفض فكرة الحضور كضيوف شرف في مؤتمر لتلميع صورة الداعي.
ووفقاً لتصريحات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ان وزراء الخارجية العرب اتفقوا على انه (لا تطبيع مجاني مع إسرائيل)، وزاد ان المشاركة العربية هدفها دعم الجانب الفلسطيني، وان هناك إجماعاً عربياً على ضرورة وقف الاستيطان وبناء الجدار العازل.
الخلاصة، أن مؤتمر أنابوليس تتجاذبه رؤى متناقضة بين أطرافه تهدد فعلاً بإفشاله وتقزيم نتائجه، فمن جهة رسم العرب خريطة طريق لإنجاحه تستند لقرارات الشرعية الدولية، ومن جهة أخرى حددت إسرائيل وصفة لجعله مناسبة للحديث عن التسوية لإخفاء جرائم الاحتلال،
فيما اكتفى الطرف الداعي بجعله فرصة لتلميع الصورة. والمطلوب من الطرف العربي الآن أن يستعد بطريقة جادة لليوم التالي لفشل مؤتمر أنابوليس، حتى لا تكون الخسارة فادحة.
