مع دقات الساعة تقترب اسرائيل شيئا فشيئا من ساعة الحقيقة ، حيث تتزايد الضغوط عليها لتقديم موقف محدد يمكن تقديمه للجانب الفلسطيني من اجل انجاح مؤتمر انابوليس المقرر في السابع والعشرين من هذا الشهر .

ولأن اسرائيل لا تريد ان تقدم شيئا ، لذلك نجدها تلجأ إلى ورقتها الأخيرة المعرقلة والمحبطة لأية آمال قد يتطلع إليها الشعب الفلسطيني من وراء مؤتمر الخريف ، فحتى امس وقبل خمسة ايام من انعقاد المؤتمر لم يتمكن الفلسطينيون من الاتفاق مع الاسرائيليين على وثيقة تفاهم مشتركة .

او الاتفاق على (مرجعيات محددة للمفاوضات المقبلة) فلا الإسرائيليون مستعدون للتنازل عن القدس أو (يهودية الدولة) ولا الفلسطينيون بإمكانهم التنازل عن حق العودة الذي تريده اسرائيل ، وذلك على الرغم من محاولة اظهار نغمة تفاؤلية يتحدث عنها مسؤولون (يرفضون الكشف عن هويتهم) .

وما يريده الاسرائيليون في الواقع هو الاستمرار في التسويف حتى يخرج بوش من البيت الابيض وتخرج معه مقترحات اقامة الدولة الفلسطينية حسب اعلان خارطة الطريق التي طرحها الرئيس الاميركي .

لذلك نلمح بوضوح تطبيق خطة اثارة البلبلة والتشكيك حول قدرة اطراف التفاوض على عمل شيء أو مدى صلاحيته للتوصل إلى اتفاق نيابة عن الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني .

فأحد متطرفي حزب الليكود وصف عباس أمس بعدم القدرة على السيطرة على قطاع غزة والضفة الغربية بمعنى ان العضو الليكودي (يوفال شتاينتس) عاد إلى القول بأن الفلسطينيين ليس بمقدورهم تنفيذ البند الاول من خارطة الطريق وهو حفظ الامن في الاراضي المحتلة .

من جهته يشعر وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك انه يواجه تشكيكا في قدراته على تقديم حل في اجتماع انابوليس لذلك طالب خلال اجتماع له في حزب العمل الاسرائيلي بدعم الوفد المسافر إلى انابوليس بينما تواصل اجهزة المخابرات الداخلية (شين بيت) والخارجية (موساد) التشكيك وبذر المخاوف من نتائج اجتماع انابوليس والتأكيد على ان الاجتماع يحتوي مخاطر كبيرة على اسرائيل ويؤكد المسؤولون عن جهاز الامن الاسرائيلي الذي يشمل رئيس الموساد ورئيس الشاباك ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ان فرصة ارساء الامن والوفاء بـ(المطالب الامنية) متدنية إلى الصفر .

وهكذا تسعى الجهات النافذة في اسرائيل إلى الاعتماد على معطيات سلبية للتشكيك في قدرة الجانب الفلسطيني على الوفاء بأمن اسرائيل ، وهذه معطيات سلبية لا تساعد في التوصل إلى اتفاق عندما يشرع المشاركون في مؤتمر انابوليس في التحاور حول القضية ، فماذا يفيد هذا الحشد المكون من ممثلي (40 دولة) إذاً ؟؟ .

وقد وقعت مشادة كلامية بالفعل بين وزير الحرب ايهود باراك وبين نائب رئيس الوزراء حاييم رامون خلال اجتماع مجلس أمني مصغر لبحث المقررات التي يحملها الوفد الاسرائيلي إلى انابوليس ، وقال رامون لباراك : لو عرضنا على الفلسطينيين نصف ما عرضته أنت على عرفات في كامب ديفيد لتوصلنا إلى حل مع الفلسطينيين .

هذا الحوار يعني ان الاسرائيليين سيذهبون إلى انابوليس بسقف اقل من الذي كان معروضا منذ عشر سنوات ، وان ما يدور الآن من نغمات تفاؤلية ما هو إلا موسيقى تصويرية لمشهد من مشاهد العلاقات العامة التي تخلو من أية نية لتقديم معالجات حقيقية للجذور في الصراع العربي الاسرائيلي .

وأغلب الظن ان تضعضع ولاء افراد الجيش الاسرائيلي في الاحصائيات والاستطلاعات الاخيرة وتهرب معظم الاسرائيليين من خدمة الجيش يدفع قيادات اسرائيل للظهور بمظهر من يؤيد تحركات السلام ، لكن يبقى العنوان الاكبر لغياب السلام في انابوليس وهو عدم مناقشة القضايا الجوهرية المعروفة بقضايا الحل النهائي بل واختزال هذا اللقاء الحاشد في يوم واحد بدل يومين نزولا على طلب اسرائيل ، حتى ينفص السامر بسرعة .