الدعوة التي وجهتها الادارة الاميركية الى سورية لحضور مؤتمر انابوليس للسلام جاءت ملغومة لانها تضع القيادة السورية في حرج كبير، فحضورها مشكلة، ومقاطعتها قد تكون مشكلة اكبر.

من الواضح ان النظام الرسمي العربي قرر المشاركة في قمة انابوليس دون شروط، استجابة للضغوط الأميركية، فالرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس كانا طوال الايام القليلة الماضية الى اتصال هاتفي مباشر مع زعماء عرب لدفعهم الى الحضور بوفود تضم وزراء الخارجية.

اجتماعان انعقدا في مصر يوم امس، الاول قمة ثلاثية في شرم الشيخ ضمت العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، علاوة الى الرئيس حسني مبارك، والثاني في مقر الجامعة العربية في القاهرة بحضور وزراء خارجية دول لجنة متابعة تطبيق مبادرة السلام العربية، علاوة الى وزيري خارجية الامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.

القضية المطروحة الى جدول اعمال الاجتماعين ليست المشاركة او عدمها في مؤتمر انابوليس، وانما بلورة موقف عربي موحد تطرحه الوفود العربية في هذا المؤتمر. بمعني آخر هناك اتفاق على الحضور رغم ان جميع الشروط العربية التي طرحتها بعض الدول حول ضرورة وقف الاستيطان وبحث قضايا الحل النهائي، مثل اللاجئين والمستوطنات وحق العودة، وتحديد جدول زمني لنهاية المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي قد جري اسقاطها جميعا.

العرب ذاهبون الى انابوليس وفق الشروط الاميركية والاسرائيلية، وكل الاحاديث عن بلورة موقف عربي موحد اثناء اجتماع وزراء الخارجية، مثلما قال السيد سليمان عواد المتحدث باسم الرئيس مبارك، هو مجرد ذر الرماد في العيون، وللتغطية الى التنازلات العربية المخجلة، والرضوخ الكامل للمطالب ال اميركية.

الهرولة العربية الى انابوليس تقررت قبل اجتماع وزراء الخارجية العرب، وبالتحديد بعد اللقاء الذي عقده الرئيس مبارك مع ضيفه ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي في المنتجع نفسه ظهر امس الاول، حيث اكد الرئيس مبارك ترحيبه بالمشاركة، واعلن متحدث رسمي بعدها ان السيد احمد ابو الغيط وزير الخارجية المصري سيرأس وفد بلاده فيه.

اللهجة العربية تغيرت بعد هذا اللقاء والجولة التي قام بها توني بلير مبعوث الرباعية الى بعض العواصم العربية، مثل الرياض والقاهرة والاتصالات التي اجراها بوش شخصيا مع عدد من الملوك والزعماء العرب لم يطلب فيها المشاركة فقط، وانما على اعلى المستويات اي مستوى وزراء الخارجية، فبعد ان كانت الدعوة الى الاجتماع تركز على بحث اتخاذ موقف عربي موحد بالمشاركة او عدمها، اصبحت المسألة محصورة في كيفية المشاركة الى اساس موقف عربي موحد.

سورية لم ترسل وزير خارجيتها الى اجتماع وزراء الخارجية في القاهرة رغم انها احد ابرز اعضاء لجنة المتابعة، وكذلك فعل لبنان، واكتفى البلدان بمشاركة سفيريهما في القاهرة، وهذا يعكس موقفا ممتعضا من هذا التحول العربي وتغيير اجندة الاجتماع كليا.

السؤال المطروح هو حول الموقف السوري من مسألة المشاركة في مؤتمر انابوليس ومستواها؟ هناك ثلاثة احتمالات:

- الاول: المقاطعة لان سورية لم تدع كدولة وانما كعضو في لجنة المتابعة العربية، كما ان مطلبها في ادراج قضية احتلال هضبة الجولان الى جدول اعمال المؤتمر لم يجد اي تجاوب.

- الثاني: ان تشارك سورية في المؤتمر الى مستوي وزير الخارجية السيد وليد المعلم، لانه ليس من الصواب مقاطعة مؤتمر الى هذا المستوي من الحضور العالمي يبحث قضية فلسطين التي خاضت سورية من اجلها اربع حروب، وقدمت الاف الشهداء وخسرت ارضا احتلتها اسرائيل.

- الثالث: ان لا تقاطع سورية ولكن ان تحضر بوفد متدني المستوي، اي ان يمثلها سفيرها في واشنطن، لاظهار عدم رضاها عن المؤتمر، وتجنب استفزاز الولايات المتحدة، خاصة في هذا الظرف الحرج الذي تواجه فيه تهديدات اميركية بالحصار وربما العمل العسكري.

من الصعب التكهن باي واحد من هذه الخيارات ستختاره القيادة السورية، ولكن ربما الخيار الاكثر ترجيحا هو الخيار الثالث، اي المشاركة بتمثيل منخفض، قياسا الى مواقف سابقة، ولوجود تيار قوي من المعتدلين يفضل عدم المقاطعة يتزعمه السيد المعلم.

هناك شبه اجماع بين معظم الخبراء الى ان احتمالات فشل المؤتمر المذكور اكبر بكثير من احتمالات نجاحه بسبب التصلب الاسرائيلي وشروطه المهينة، ويعتقد الكثيرون، ونحن منهم، ان المشاركة في مؤتمر فرص نجاحه شبه معدومة خطوة غير صائبة الى الاطلاق، حتي لو كانت الى مستوي متدن.