من المادية التاريخية، وصراع الطبقات، إلى الرأسمالية المعتدلة، وغير المتوحشة، تتجه روسيا إلى أن تعيد عمقها الثقافي والمادي مع العالم كله، لكنء بواقعية أكثر، فهي لا تريد أن تكون نمطاً غربياً لا يزال يعيش على روح الهيمنة وكبرياء العرق والتاريخ، ولا آسيوية خانعة، ولكنها خليط من تجربتين، تتلاقيان في العمق والطرف الروسيين..

وحتى لا ندخل في تحليل للتاريخ، فالرحلة الروسية من تمددها القاري على أبعاد مختلفة، إلى الأطماع الاستعمارية اليابانية، والألمانية في القرن الماضي وحروبها معهما، قدّر لها أن تكون القوة المقابلة لكل الغرب زمن الاتحاد السوفياتي، غير أن الطوباوية العقائدية أخلت بتوازنها وبعثرتها، لكنها لا تزال تحتل أكبر مساحة في العالم من حيث الوحدة الجغرافية وحتى السكانية اللتين تعطيانها فرصة النهوض والتقدم من جديد..

لقد أضرّت الشيوعية بالعديد من دول العالم، ولكنها كأي تجربة مرت بها الشعوب، من العبودية، إلى الإقطاع، إلى الرأسمالية التي بنت عروشها في الاستيلاء على العالم وخيراته، لكن روسيا اليوم هي الأكثر اتجاهاً لطريق أكثر تحرراً ورفضاً لأي هيمنة دولية، وبذلك تعتبر، حالياً، قوة صِدام في حدود ما تراه من استقلالها وحريتها، حتى إن رفضها إحاطتها بسياج الصواريخ الأمريكية، أو تطويقها بحلف الأطلسي وقوته، جاء رد فعلها مساوياً لتلك الأهداف، مما يعتبر قيمة أخلاقية ومعنوية، وحقاً طبيعياً في اتخاذ أي قرار..

هذا التوصيف، أو القراءة الواقعية للاتجاه الروسي محلياً وعالمياً يعيدنا إلى توازن الصراعات، وعدم تفرد قوة إحادية الجانب بإدارة العالم، هذا الاتجاه يخدم السياسة العالمية، والمملكة التي تدرك أن تعدّد الأقطاب يرفع سقف السلام العالمي، فهي مع كل دول العالم شريك فعّال لكن بحدود ما ترسمه طبيعة أي علاقة وعدم تدخلها بحرية الآخر واستغلاله، ومن هذا التواصل جاءت الزيارات بين المملكة وروسيا، وعلى كل المستويات العليا، والمتوسطة والدنيا، لتجعل سمو ولي العهد الأمير سلطان المعادل الموضوعي في رسم خطط المستقبل مع القيادة الروسية، ولا ننسى أننا في محيط عالمي تواق إلى خلق فرص السلام، بدلاً من الصدام من أجل ترسية معمار عالمي يأخذ بالتعايش وفرض قانون العدالة بين القوى كلها..

وكما أن روسيا متداخلة سياسياً وأمنياً مع دول المنطقة لنجد حضورها في مفاصل الخلافات السياسية التي لم تحسمها أمريكا، فهي شريك وعضو في مجلس الأمن وقوة في الأمم المتحدة وخارجها.

والمملكة تملك ذات البُعد، وإن كان يحمل بُعد الدولة التي تسعى إلى المصالحات وتدوين اسمها على الساحتين العربية والإسلامية، فإنه لا يقلل من دورها عالمياً، وعملية أن تلعب روسيا والمملكة هذه الأدوار فهي الحقيقة الثابتة