يظهر أننا نحن العرب قد أفرطنا في التفاؤل بقرب انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية،فبمجرد أن قبلت إسرائيل معاودة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني رحنا نهلل بالانتصار وبنشوة قرب قيام عاصمة عربية جديدة اسمها القدس، لكن نشوتنا وتفاؤلنا اصطدم كالعادة بمطالب إسرائيلية جديدة تفننت إسرائيل في إلقائها على مسامعنا كلما شعرت أن العرب باتوا على قرب من تحقيق حلمهم في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

فها هي وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني تضع شرطا جوهريا لإنجاح المفاوضات ومعها مؤتمر انابوليس وهي ضرورة أن تعلن السلطة الفلسطينية صراحة وعلنية اعترافها بيهودية إسرائيل وكأن الاعتراف بدولة إسرائيل الذي أعلنته السلطة عام 1988 في مؤتمر الجزائر غير كاف ولا يشبع غليل الساسة في إسرائيل.

إن اعتراف السلطة بهذا المطلب المفاجئ يعني اعترافا بأحقية إسرائيل في ارض فلسطين كاملة وأن الفلسطينيين الذين طردوا منها لن يحق لهم، في هذه الحالة، العودة إليها والعيش فيها ولن يسمح لهم حتى بالحصول على تعويض!!

يجب أن نعترف بمقدرة عدونا على إدارة النزاع العسكري والسياسي، منذ قيام إسرائيل وإلى يومنا الحالي، فإسرائيل وفقت في جميع جولات المفاوضات من مدريد إلى اوسلو إلى المفاوضات السرية في الحفاظ على الوضع الراهن وكسب مزيد من الوقت في مصادرة الأراضي وبناء مستوطنات جديدة بينما لم يحقق الطرف الفلسطيني فيها أي مطالب مشروعة.

وها هي الأراضي الفلسطينية بموجب الاتفاقات السابقة تتحول إلى جزيرة معزولة بجدار عنصري شبيهة بمناطق الفصل العنصري أيام نظام الابارتهايد في جنوب إفريقيا وان كان الوضع في فلسطين أسوأ من الوضع الذي كان عليه السود في جنوب إفريقيا لان السوء كان لهم على الأقل حق البقاء أما الفلسطينيون فيقاومون على جبهتين جبهة الحصول على حقهم المشروع في أراضيهم وجبهة المقاومة من اجل الحفاظ على وجودهم كشعب عليه أن لا ينقرض من الوجود كما تريد إسرائيل.

إن جميع المفاوضات والمؤتمرات السابقة التي عقدت بين الطرفين كان الطرف الإسرائيلي هو الرابح فيها بدليل عندما عقد مؤتمر مدريد طالبت إسرائيل بإيقاف الانتفاضة كشرط لقبولها الجلوس إلى طاولة المفاوضات وقبلت السلطة الفلسطينية المطلب الإسرائيلي فراحت تجهض الانتفاضة اعتقادا منها أن مرحلة الثورات الشعبية انتهت وجاءت مرحلة السياسة والمفاوضة.

ولم يدر في خلد الفلسطينيين أن إصرار إسرائيل على مطلبها إجهاض الانتفاضة إنما يرجع أساسا إلى قناعتها بأن الانتفاضة هي الورقة السياسية الوحيدة التي يمتلكها المفاوض الفلسطيني ومن خلالها يستطيع أن يساوم ويضغط للحصول على الحقوق المشروعة كما كان الحال عليه أيام الثورة الجزائرية عندما كانت الحكومة الجزائرية المؤقتة تفاوض الحكومة الفرنسية في مقابل استمرار الثورة التي كبدت فرنسا خسائر في الأرواح ولم تستطع فرنسا وقتها الصمود في وجه المجاهدين الجزائريين ورضخت في الأخير لمطالب الحكومة الجزائرية.

ويظهر أن إسرائيل تقرأ التاريخ جيدا وتخوفت من تكرار السيناريو الجزائري مع الفلسطينيين وطالبتهم بإنهاء الانتفاضة قبل الجلوس إلى المفاوضات، وها هم الفلسطينيون، بعد عشرية من الزمن، يعاودون المفاوضات لكنهم مجردون هذه المرة من أية أوراق يمكن أن يلعبونها، فالانتفاضة كانت ورقة التوت الرابحة التي سترت عورتهم لكن بزوالها سقطت آخر ورقة متبقية.

وإذا كان الجزائريون فاوضوا أيام الثورة للحصول على الاستقلال من دون أن يوقفوا إطلاق رصاصة واحدة لإيمانهم أن البندقية ورقة سياسية مهمة توظف في الوقت المناسب، فإن الفلسطينيين اليوم بلا سند عربي ولا دولي ولا تماسك سياسي داخلي، بل على العكس من ذلك، فوضع السلطة خلال العشرية الماضية كان أفضل سياسيا من وضعها الراهن، فقد فقدت اليوم وزنها وهيبتها السياسية.

وأصبح الشارع الفلسطيني لا يثق في جميع الساسة، وأكثر من ذلك، أن المفاوضات لا تزال تدار بطاقم فقد شرعيته الدبلوماسية عندما فشل في إدارة المفاوضات السابقة فكان من اللازم على السلطة أن تختار طاقما جديدا مؤهلا دبلوماسيا ويمتلك المقدرة على الإقناع والنفس الطويل أمام طرف ميزان القوة مائل لصالحه هذا إذا أضفنا أن المفاوضات تجري في دولة تعتبر الحليف الاستراتيجي لإسرائيل.

ولا يمكن أن تكون هذه الدولة محايدة، فالمفاوضات والمؤتمرات ما هي إلا خدعة سياسية مخططة توظفها إسرائيل في الحصول على مكاسب أخرى فها هي تعلن عن البدء في مشاريع استيطانية جديدة وتذر الرماد في أعيننا بإيهامنا أنها سوف تطلق سراح المئات من المعتقلين وتقدم تنازلات «سخية» تبشر بقرب قيام دولة فلسطين إلا أنها لم تحدد اجل قيام هذه الدولة العربية الجديدة، هل تقام خلال هذه السنة أم ننتظر لعشرية أخرى عندها لن تبقى لا أراض عربية ولا شعب عربي لأنه في هذه الحالة سوف ينقرض كما انقرضت شعوب سابقة!!

كاتب جزائري

Khiredine1@yahoo.fr