في الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع مساعي الاتحاد الأوروبي بقيادة القاطرة الفرنسية الألمانية لعقلنة السلوك الأميركي اليميني المتطرف في الشرق الأوسط، والحرب على الإرهاب وغزو العراق والحرب في أفغانستان، فاجأ الرئيس الفرنسي الجديد من خلال تصريحاته وبياناته ومواقفه العديدة، ويعلن عن تغيير جذري في العلاقات الفرنسية-الأميركية وفي السياسة الخارجية الفرنسية لينحاز كليا لمواقف وسلوك أميركا في العالم.

ساركوزي زار أميركا وأبدى إعجابه على الهواء ومباشرة بالديمقراطية الأميركية وبحضارة العم سام وبألفيس برسلي ومارلين منرو وأفلام الكاوبوي وبدور أميركا في العالم.ساركوزي يتحالف ويتعاطف مع الرئيس بوش، الذي أصبح غير مرغوب فيه في عقر داره من قبل الشارع والرأي العام والحزب الديمقراطي وحتى بعض الجمهوريين.فعهد بوش قارب على النهاية، إذ يعتبره البعض من أسوأ ولايات الحكم في تاريخ بلاد جورج واشنطن وطوماس جيفرسون.

ومع كل هذا يبحر ساركوزي ضد التاريخ وضد التيار والرياح ويؤكد عن العهد الجديد في العلاقات الفرنسية الأميركية، عهد الصداقة والتفاهم والتلاحم في الرؤى والمواقف وكيف لا، ووزير خارجيته برنار كوشنير يصرح للصحافيين ضرورة الحرب على إيران وأنه لا مفر منها، ناهيك عن زلات لسان عديدة توحي بانحياز فرنسي أعمى لسياسة أميركا.

ساركوزي كشف أوراقه منذ زمان وحتى قبل أن يُنصب رسميا في قصر الإليزيه حيث أنه عبّر عن مواقفه المتطرفة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وتخليه عن السياسة الديغولية المعروفة لأكثر من نصف قرن بالمواقف الفرنسية المشهود لها في الشرق الأوسط، وفي مساندة قضايا التحرر وتقرير المصير.ساركوزي زار أميركا قبل الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية وحصل على مباركة المؤتمر العالمي اليهودي في نيويورك.

الرئيس الفرنسي الجديد حل محل توني بلير وراح يردد في العديد من المناسبات وجهات النظر والمواقف الأميركية، ويؤكد على لغة الردع والقوة والحروب لحل النزاعات الدولية.وبذلك فإنه يبتعد كليا عن فكرة تكوين جبهة أوروبية لإيجاد توازن في النظام الدولي يواجه الأحادية القطبية التي فرضها صقور البيت الأبيض على العالم.ساركوزي انحاز لأميركا في وقت تمر فيه هذه الأخيرة بأسوأ المراحل في تاريخها، فحرب العراق جاءت أسوأ بكثير مما كان يتصوره أكبر المتفائلين في أميركا وحتى الجمهوريين منهم.

فبدلا من القيام بتنبيه العم سام على أخطائه وهفواته التي لا تغتفر، جاء ساركوزي ليقول ويكرر ويؤكد على أنه جاء إلى أميركا لتعميق الصداقة الفرنسية الأميركية وكأنه أراد أن يقول أنه آسف على معارضة فرنسا لحرب أميركا على العراق سنة 2003 وأنه يقدم اعترافه وتقديره لما قدمته أميركا من جميل لفرنسا وأوروبا في الحرب العالمية الثانية.

أثارت زيارة ساركوزي للولايات المتحدة الأميركية ردود أفعال متباينة في الأوساط السياسية ووسائل الإعلام والشارع الفرنسي.حسب المحللين، الرئيس الأميركي جورج بوش يبحث على خليفة طوني بلير والخليفة الأمثل هو نيكولا ساركوزي، الذي أبدى إعجابه بأميركا وديمقراطيتها حتى قبل أن يُنتخب رئيسا لفرنسا.

فعلى عكس الرؤساء السابقين لفرنسا، ساركوزي يسبح ضد التيار، وبدلا من تأسيس لاتحاد أوروبي قوي يقف أمام الأحادية القطبية ويعطي توازنا جديدا على الساحة الدولية، ينحني أمام السياسة الأميركية ضد الإرهاب وكل ما تقوم به أميركا باسم هذه الحرب.

يبقى الشارع الفرنسي متحفظا عن هذا الانبهار بأميركا وبسياستها ويحن إلى مواقف الرؤساء السابقين من غطرسة أميركا. من دون شك فإن ساركوزي لا يختلف مع بوش حول الملف النووي الإيراني والأزمة في لبنان والسودان وأفغانستان وسوريا ومحاربة الإرهاب.

بعد الأجواء المتوترة بين فرنسا وأميركا نتيجة الحرب على العراق فإن انتخاب ساركوزي رئيسا لفرنسا يعتبر فرصة ذهبية لتجاوز المرحلة المضطربة وإقامة علاقات تفاهم وصداقة يسودها الاستقرار.فبوش يرى في ساركوزي بديلا لأصدقائه الأوروبيين الذين غادروا سدة الحكم كسلفيو برلوسكوني وخوسيه ماريار أزنار وتوني بلير.

من جهته يرى الرئيس الفرنسي الملقب بـ «ساركو الأميركي» أنه حان الأوان لإحداث التغيير والقطيعة مع الماضي بهدف إنقاذ أوروبا وإعطائها نفسا جديدا من أجل تواجد أكثر على الساحة الدولية.فبالنسبة للملف النووي الإيراني اتخذت فرنسا موقفا متشددا لا يختلف عن الموقف الأميركي، الأمر الذي أدى بإيران لمهاجمة فرنسا بعد تصريحات كوشنير واتهمتها بالتطرف وعدم العقلانية والانصياع للموقف الأميركي والارتماء في أحضان واشنطن والغطرسة الأميركية وهيمنة العم سام على العلاقات الدولية والسياسة الدولية.

فحسب الإيرانيين، تصريحات كوشنير تسيء إلى مصداقية فرنسا وسمعتها وإلى عهدها المعروف بمواقفها المعتدلة التي تقوم على الشرعية الدولية والاحتكام إلى المنطق والرجوع إلى مجلس الأمن الدولي لمعالجة النزاعات الدولية.السياسة الفرنسية المناوئة للغطرسة الأميركية والمعارضة لكل المبادرات الأميركية في العالم أصبحت من سجلات الماضي وعهدها قد ولى في ولاية ساركوزي وكوشنير.

هل تريد فرنسا من خلال هذا الموقف أن تحل محل بريطانيا في علاقاتها مع واشنطن؟ وهل تريد أن تلعب الدور القيادي الجديد في الاتحاد الأوروبي لتقوده في اتجاه تناغم سياسة أوروبا مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية؟ فتصريح كوشنير ليس زلة لسان وليس خطأ عابرا، وإنما جاء ليعبر عن التحول الجديد في السياسة الخارجية الفرنسية، والذي أشار إليه الرئيس ساركوزي في عدة مناسبات وهو البراغماتية والابتعاد عن العداء لأميركا بدون سبب ولا فائدة ومراعاة مصالح فرنسا بالدرجة الأولى.

ساركوزي يعلن بتصريحاته الأخيرة تغيير ثوابت ومبادئ السياسة الخارجية الفرنسية التي أسسها الجنرال شارل ديغول في الخمسينات من القرن الماضي.فرنسا ساركوزي تتحالف ضمنيا مع توجهات السياسة الأميركية سواء فيما يتعلق بالملف الإيراني أو الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية.

هل تعني تصريحات ساركوزي ومن بعده كوشنير انتهاء عهد السياسة المعادية لأميركا والتوجه نحو بناء تحالف أطلسي. في 2003 انشطرت أوروبا إلى «عجوز» ضد الحرب على العراق، و«جديدة» موالية للحرب. أما الشارع الأوروبي فكان معظمه آنذاك ضد الحرب.

أوروبا في 2007 غير أوروبا 2003 حيث تخلت النخبة السياسية عن السياسة المضادة لأميركا Anti-Americanism إلى السياسة الموالية لأميركا Pro-Americanism.فكل من فرنسا وألمانيا تؤكدان على ضرورة إنشاء التحالف الأطلسي والتقرب أكثر من الولايات المتحدة الأميركية.وحتى إسبانيا التي سحبت قواتها من العراق مع مجيء ثباتيرو إلى الحكم تعمل هذه الأيام على التعاون والتقرب من أميركا لمحاربة الإرهاب.أما دول أوروبا الوسطى والشرقية فتحالفها مع أميركا أصبح أمرا لا مفر منه منذ زمان.

يرى أنصار تيار التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، أن النمو الاقتصادي السريع في كل من الصين والهند، والحرب على الإرهاب، وحرب العراق وأفغانستان، والملف النووي الإيراني تستدعي كلها التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية.

ساركوزي يسبح ضد التيار ويتحالف مع أميركا، بل يخضع لأهواء ونزوات البيت الأبيض، في ظروف ضعفت فيها المعارضة الفرنسية وتكاسلت النخبة المثقفة، وخاصة اليسار في تجنيد الشارع لرفض ما يقوم به الرئيس الجديد وفريق عمله في الإليزيه.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة