لم يكن أحد يتوقع حجم التغيرات أو التداعيات النوعية الحاصلة في الساحة الفلسطينية بعد رحيل ياسر عرفات، زعيم الشعب الفلسطيني، ومؤسّس الوطنية الفلسطينية، وصانع النظام السياسي، وقائد أكبر حركة سياسية في هذه الساحة.
بعد رحيل ياسر عرفات لم يعد ثمة زعيم معين، بالمعنى الشعبي والكاريزمي، للشعب الفلسطيني، فقد غابت الزعامة بمعناها التقليدي لصالح قيادة سياسية، أو قيادات سياسية، وتلك هي المرة الأولى في التاريخ المعاصر لهذا الشعب، الذي كان منح الولاء والقيادة لزعامة الحاج أمين الحسيني (قبل النكبة)، ولياسر عرفات في مرحلة صعود الوطنية الفلسطينية المعاصرة، من دون أي منازع.
طبعا لا يمكن تصور غياب الزعامة التقليدية ـ الأبوية، باعتبارها مشكلة، فربما تكمن المشكلة في تكرس وجود مثل هذه الزعامة، التي تعتبر نفسها وصية على الشعب والقضية، والتي تحتكر القرارات، وترى في ذاتها فوق كل المؤسسات.
أيضا المشكلة لا تكمن في غياب زعامة ترث زعامة ياسر عرفات، بكل ما لها وما عليها، فربما أن هذا الأمر يفيد بوضع العمل الفلسطيني على سكة المؤسسية والقيادة الجماعية والمشاركة السياسية والعلاقات الديمقراطية. لكن المشكلة في الظروف الفلسطينية تتجلى في غياب المؤسسات، التي تسد غياب ياسر عرفات، وترث زعامته السياسية وتبني عليها.
وبعد رحيل ياسر عرفات شهدت الساحة الفلسطينية انقساما كبيرا، وهذه المرة لم يقتصر الانقسام على الجانب السياسي، وإنما على الانقسام الجغرافي، بين الضفة الغربية وقطاع غزة، نتيجة هيمنة حماس على هذا القطاع بشكل احادي وإقصائي، وهذه سابقة فريدة من نوعها في التاريخ الفلسطيني، بعد أن كان الانقسام سابقا يحصل نتيجة التقسيم الإسرائيلي، أو نتيجة خضوع الأراضي الفلسطينية لإدارات عربية (مصر في قطاع غزة، والأردن في الضفة الغربية).
وبعد رحيل عرفات انتقلت الساحة الفلسطينية لحسم خلافاتها من الوسائل الديمقراطية، المتمثلة بالانتخابات، إلى الوسائل العسكرية، الأمر الذي هدد النظام الفلسطيني، الذي صاغه ياسر عرفات، حيث باتت الساحة الفلسطينية أمام واقع وجود مرجعيتين وسلطتين، وهذا ما كان يمكن أن يحصل في زمن عرفات.
على صعيد حركته فتح فإن هذه الحركة كأنها لم تستيقظ بعد من هول الصدمة التي أحاقت بها بعد رحيل زعيمها وقائدها وصانعها ياسر عرفات، فليس ثمة مراجعة نقدية جدية وحازمة للمسيرة السابقة، وليس ثمة محاولة لاستنهاض الذات وإعادة البناء، ومازالت هذه الحركة تفتقد لمرجعية سياسية وتنظيمية يجمع الفتحاويون عليها، وحتى اطر هذه الحركة مازالت تعمل بالطريقة المزاجية السابقة.
على الصعيد السياسي فإن إرث ياسر عرفات مازال لا يمكن تجاوزه في الساحة الفلسطينية، ذلك أن ياسر عرفات، وهو أبو الواقعية الفلسطينية، وصاحب مشروع التسوية التاريخية مع إسرائيل، وضع نقاطا حمر لم يعد بامكان المفاوض الفلسطيني تجاوزها، وإن كانت هذه النقاط تضمنت بعضا من المرونة، من مثل قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، مع إبداء استعداد لمبادلة أراضي على قاعدة المثل بالنوع والكم 1/1.
ومن مثل التمسك باستعادة القدس الشرقية، عاصمة لدولة فلسطين، مع الانفتاح على استثناء الأحياء اليهودية، في نطاق من التبادلية. ومن مثل التمسك بحق العودة وفق القرار 194، مع التجاوب على عدم تهديد طابع إسرائيل كدولة يهودية.
والمشكلة أن إسرائيل وبرغم كل هذه المرونة التي أبداها ياسر عرفات لم تكن قادرة أو ناضجة لتحمل تبعات أو استحقاقات هكذا تسوية، لأنها كانت ترى في براغماتية أبو عمار نوعا من المخاتلة والتحايل لتعديل موازين القوى.
المؤسف أن معارضي ياسر عرفات، لاسيما من المحسوبين على المعارضة الفصائلية النمطية، لم يدركوا طبيعة هذه الشخصية، فذهبوا بعيدا برميها بالكبائر؛ غير مدركين أبعاد هذه الشخصية الوطنية ـ التاريخية، التي ظلت تحاول التحايل على موازين القوى المختل بشكل فظيع لصالح إسرائيل، والتي ظلت تتنسّم صنع ثورة فلسطينية مستحيلة، في واقع عربي صعب ومشتت وعاجز، وفي ظل معطيات دولية غير مواتية على الإطلاق.
في هذا الإطار فإن التراث النضالي لياسر عرفات، وبرغم كل الانتقادات لمسيرته، وطريقته في العمل، كشف ضحالة تفكير المعارضة الفصائلية، وسذاجتها السياسية، فهي، مثلا، اتهمته بالتفريط بالوحدة الوطنية، في حين أنه لم يذهب إلى حد الاقتتال الداخلي لفرض أجندته السياسية، وفي أقسى الظروف والمحطات (مثلما فعلت حماس في غزة).
واتهمته بالتخلي عن خيار المقاومة المسلحة، في حين أنه هو من أطلق الانتفاضة في العام 2000 واحتضن كتائب شهداء الأقصى، في حين اكتفت الفصائل المعارضة بالتغني بالمقاومة على الورق ومنابر الإعلام (باستثناء حركة حماس)، في حين أن حركة حماس اليوم ومن موقعها السلطوي في غزة أوقفت عمليات المقاومة، وباتت تحض غيرها على ذلك. أما اتهامه بالتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني مقابل دولة أو سلطة، فقد ثبت عكسها، حتى أن هذه الفصائل باتت اليوم تشيد بخط عرفات التفاوضي.
أيضا كان البعض في المعارضة الفصائلية يأخذ على ياسر عرفات أنه هيمن على منظمة التحرير، في حين أن الرئيس الراحل كان يحاول حماية استقلالية القرار الوطني الفلسطيني على طريقته، من الرياح والعواصف الإقليمية والدولية، في حين أن هذه المعارضة ذهبت بعيدا في ربط أجندتها بالأجندة الإقليمية.
وبالنسبة لشكل النظام السياسي فإن المعارضة الفصائلية لم تذهب في خطابها إلى حد المطالبة بإعادة بناء منظمة التحرير على أسس جديدة، تضمن الديمقراطية والمأسسة والقيادة الجماعية، والأخذ بالحسبان الواقع الجديد في الساحة الفلسطينية، المتمثل بنهوض قوى جديدة وأفول قوى سابقة، لأنها كانت تفضل الحفاظ على «الستاتيكو» السائد القائم على نظام «الكوتا» الفصائلية، الذي يدين ببقائه لياسر عرفات بالتحديد لأنه صنع هذا النظام وحافظ عليه.
الأهم مما سبق أن الفصائل المعارضة، لم تتمكن من تقديم النموذج المحتذى للقيادة الجماعية وللديمقراطية المتوخاة وللمراجعة النقدية المطلوبة، في خطاباتها وبناها وعلاقاتها الداخلية، والتي كان ينبغي على الرئيس عرفات الأخذ بها، في إدارته للساحة الفلسطينية!
إضافة إلى أنها عجزت عن توحيد ذاتها، كما عن تشكيل أية حالة بديلة، تحظى بالحد الأدنى من القبول من الشعب الفلسطيني! رحل ياسر عرفات، الزعيم والرمز والمناضل، ولكنه ترك قضية فلسطين متّقدة، وترك شعبه على درب الحرية والأمل، ولعل شعبه في هذه اللحظات في أشد الحاجة إليه.
كاتب فلسطيني