يوم 24 أكتوبر الماضي كان الرئيس الفرنسي الجديد على منبر الأمم المتحدة يشارك في جمعيتها العامة بحضور ثمانين رئيس دولة وممثلين عن 190 دولة ولم يخف موقفه مما يعتبره رسالة فرنسا الجديدة في العالم حين قال بوضوح: إن فرنسا على أتم استعداد لمساعدة أية دولة تريد امتلاك الطاقة النووية السلمية.
وهذا النداء الصريح في عز الأزمة الإيرانية اعتبرته مجلة (لوفيجاور ماغازين) استفزازا ايجابيا لمزاحمي باريس في هذا المجال مثل روسيا وحتى ألمانيا، كما اعتبرته أيضا إعلانا عن عقيدة فرنسية جديدة في العلاقات الدولية يدشنها الرئيس الجريء ساركوزي بقوة وينوي بفضلها فرض منزلة فرنسا في العالم دون هيمنة أو امبريالية.
أما الخبير الفرنسي في الطاقة فيليب شالمان فيقول في نفس عدد المجلة بأن الورقة الرابحة في يد باريس اليوم هي التفوق النووي المدني وخاصة في ظرف عالمي يشهد بلوغ سعر البرميل من النفط حد المئة دولار، ويشهد كذلك نزوع الدول والمنظمات الأممية وحركات حماية البيئة إلى استعمال الطاقات البديلة والنظيفة في الصناعة والمجتمع.
وبالفعل فإن فرنسا متفوقة وبمستوى متقدم لا يطمع أي منافس في الاقتراب منه في مجال التكنولوجيا النووية. فمنذ أربعين عاما شرعت باريس في التخطيط لإنشاء مفاعلاتها النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية التي تعتبر عصب الاقتصاد والمجتمع واستثمرت الدولة مهما كان لون الحكومات المتعاقبة على السلطة مبالغ وصلت إلى الثمانين مليار يورو إلى أن حققت فرنسا ذلك الرقم السحري الفريد من نوعه في العالم وهو اعتماد الطاقة الكهربائية على النووي بنسبة 78% وهو الرقم الذي يضع فرنسا على رأس نادي الأمم النووية الكبرى.
وللمقارنة فإن الولايات المتحدة يقتصر نصيب النووي لديها في إنتاج الطاقة الكهربائية على نسبة 19%، وبريطانيا نسبة 18% وتكتفي كل من روسيا وكندا بنسبة 16% بينما يصل اليابان إلى نسبة 30% وألمانيا إلى نسبة 32% والغريب أن دولا صغيرة نسبيا تفوقت على الدول الكبرى في هذا المجال مثل ليتوانيا التي بلغت نسبة 69% وسلوفاكيا نسبة 57% .
ثم تتدحرج الدول الأخرى إلى ذيل القائمة فنجد بأن هولندة لا تتجاوز نسبة 5, 3% والهند تظل في مستوى 6, 2% والصين لا تتعدى حدود نسبة 9, 1%. أي أن التفوق الفرنسي يسجل رقما قياسيا بكل المقاييس وهو ما يفسر هذه العقيدة الجديدة للرئيس ساركوزي لإعادة الاعتبار كما يقول هو نفسه لمنزلة فرنسا في أوروبا وفي العالم.
ويقول الخبير الفرنسي (مارك ديران فالوا) إننا عرفنا شارل ديجول مؤسسا للقوة النووية الفرنسية وعرفنا جاك شيراك مهندسا للتوسع الصناعي النووي واليوم نعرف نيكولا ساركوزي سفيرا متجولا لتسويق هذه الطاقة في العالم و دون عقد أو مركبات.
وبالفعل فإن باريس توظف منذ انتخاب الرئيس الجديد تفوقها النووي لا فقط لاكتساح الأسواق العالمية بل وكذلك لتعزيز مواقعها السياسية والجيوستراتيجية في العالم، وخاصة في المناطق الحساسة الجديدة من العالم مثل إقليم المغرب العربي والشرق الأوسط وافريقيا ومنطقة الكاريبي وحوالي بؤرة الصراع في أفغانستان.
وبالطبع فإن الرئيس الفرنسي حين زار المملكة المغربية لم يقتصر على «الترويج» للتعاون النووي المدني مع الرباط بل رسم ملامح دبلوماسية لموقف فرنسي أكثر انحيازا للمغرب في ملف الصحراء الغربية المتنازع عليها في إقليم المغرب العربي.
ثم انه حين ساهم بقسط ايجابي في حلحلة معضلة الممرضات البلغاريات المحكوم عليهن بالإعدام في ليبيا فهو كان أيضا يمهد لصفقة مشروعة من التعاون النووي بين باريس وطرابلس. وهكذا فإن الدبلوماسية الفرنسية أصبحت ترتكز على أداة مثالية هي الكفاءة النووية من أجل استخدامها لأغراض إنتاج الطاقة الكهربائية لكي تدعم حضورها السياسي حول البحر الأبيض المتوسط.
ويشكل هذا البحر كما نعلم محور السياسة الخارجية لباريس بواسطة مشروع الاتحاد المتوسطي العزيز على ساركوزي. وهو مشروع لا يحظى بمساندة ألمانيا مع المستشارة أنجيلا ميركل ولا بريطانيا مع غوردن براون اللذين يفضلان ادماج دول البحر الأبيض المتوسط في منظومة وبرامج حلف شمال الأطلسي لأن هذا الحلف في نظرهما يبقى أكثر قوة وتماسكا بزعامة الولايات المتحدة من هيكل متوسطي قديم جديد هش يرممه الرئيس الطموح ساركوزي وتتزعمه باريس على حساب شريكاتها الأوروبيات!
ونعتقد بأن الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية الألمانية كوهلر للجزائر منذ أسبوع تندرج في كنف التنافس «الشريف» ما بين باريس وبرلين في الصفقات أولا وفي زعامة الاتحاد الأوروبي ثانيا. ولكن فرنسا وألمانيا اذا ما كانتا شريكتين في إنتاج وتسويق طائرات الإيرباص فإنهما ليستا كذلك بالنسبة لبيع المفاعلات النووية.
رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس