يتفق مؤرخو الفكر عادة على أن أوروبا الحديثة بكل قيمها ومؤسساتها وحرياتها الديمقراطية تعود إلى عصر التنوير الذي يسميه بعضهم بـ «القرن العظيم». ففي ذلك العصر اندلعت المعارك الأساسية التي أدت إلى حصول الطلاق ـ أو القطيعة النهائية ـ بين أوروبا الحديثة/وأوروبا القديمة، بين التجديد/والتراث، بين العقل العلمي الفلسفي/والعقل اللاهوتي المسيحي.

ولكن دون ان يعني ذلك القضاء على الدين على عكس ما نتوهم عندنا وانما تقديم تفسير آخر عقلاني له، الشيء الذي أدى الى تحقيق المصالحة بين المسيحية والحداثة بعد صراع طويل. وبالتالي فلا يمكن فهم أوروبا الحالية وسبب ازدهارها وتفوقها إلا إذا عدنا إلى ذلك القرن ودرسنا مناقشاته الحامية وهمومه الكبرى.

سوف نشكل في أذهاننا صورة لا تاريخية عن الحضارة الأوروبية الحديثة إذا ما اكتفينا بالنظر إليها من خلال واقعها الراهن المتقدم المتطور. وذلك لأننا سنعتقد عندئذ أنها كانت دائماً هكذا، أو أن الحضارة نزلت عليها كهدية من السماء، أو أن العنصر الأوروبي المسيحي الأشقر هو وحده القادر على إنتاج الحضارات لأن هذه الحضارة ولدت لديه وليس لدى أي شعب آخر.

سوف نقع ضحية التصور الميتافيزيقي أو الأسطوري إذا لم ننظر إلى هذه الحضارة ـ أو هذه الحداثة البراقة التي تكاد تخطف الأبصار ـ من خلال تولّدها التاريخي المتدرج والصاعد. والواقع أن هذه الحضارة تقدم نفسها على يد بعض ممثليها من الاتجاه اليميني وكأنها «معجزة» محصورة بالشعوب الأوروبية أو الغربية فقط.

وبالتالي فلا يمكن للشعوب الأخرى - وبخاصة الشعوب العربية - الإسلامية - أن تدخل إلى جنتها أو أن تحصل عليها. وهي بسبب تفوقها الصارخ حالياً تحاول أن تغطّي على لحظة نشأتها وملابسات تلك النشأة وصعوبات تلك الولادة العسيرة. وكل ذلك لكي تقدم صورة لا تاريخية ـ أي أسطورية مضخَّمة ـ عن ذاتها. وهكذا تستطيع أن تقدم ذاتها ككتلة واحدة وأن تسحق الآخرين تحت وطأة هيبتها وجبروتها.

هكذا تستطيع أن تقدم نفسها وكأنها تقف فوق التاريخ. وقد انتقلت هذه الصورة اللا تاريخية إلى الساحة الثقافية العربية طيلة عصر النهضة وما تلاها على يد أقلام ساذجة، مبهورة، كان الحسّ التاريخي قد ضمر لديها منذ زمن بعيد. وقد آن الأوان لتقديم صورة أخرى عن الحضارة الأوروبية: صورة أقرب ما تكون إلى أرضية الواقع الموضوعية. نقول ذلك دون أن ننكر فضل أسلافنا المتحمسين في عصر النهضة وما تلاه.

فالواقع أن انبهارهم كان شيئاً إجبارياً، وهو على أي حال لم يمنعهم من تجديد الحياة الثقافية العربية أو ضخّ الدماء الجديدة في عروقها وشرايينها. فهم السابقون ونحن اللاحقون، وعلى مائدتهم أكلنا وتناولنا غذاءنا الثقافي الأول.

نحن جميعا أحفاد بطرس البستاني ويعقوب صروف وإسماعيل مظهر وسلامة موسى وشبلي شميل وفرح أنطون وإبراهيم المازني وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم الخ.. ولا ينبغي أن نستخف بهم أو أن نحتقرهم أو أن نظن أنفسنا وكأننا أفضل منهم. فهذا لا يليق بنا ولا يرفع من قيمتنا أو قدرنا:

وقبيحٌ بنا وإن قدم العهد هوانُ الآباء والأجداد

نقول ذلك وبخاصة أننا حتى الآن لم نشهد عمالقة في مثل حجمهم ومستواهم. نحن صغار بالقياس إليهم. ولكننا نعيش لحظة تاريخية متقدمة ـ أو مختلفة ـ تتيح لنا أن نرى ما لم يكونوا قادرين على رؤيته ضمن ظروف عصرهم وإمكانياته. نحن الآن قادرون على رؤية الحضارة الغربية في كليتها الشمولية بعد ان جربت نفسه على مدار أكثر من قرن وأعطت الكثير وانحرفت كثيرا أيضا.

وبالتالي فنحن قادرون على ان نرى ما لم يكونوا قادرين على رؤيته قبل مائة سنة أو خمسين سنة. بمعنى آخر فإننا نستطيع أن نرى ايجابياتها وسلبياتها. ولذلك ندعو الى مراجعة نقدية لتجربة الحداثة الغربية والنهضة العربية في آن معا من اجل استخلاص الدروس والعبر ومعرفة كيفية الانطلاق من جديد. لا ريب في أننا سوف نستفيد من الصورة التي قدموها عن الحضارة الأوروبية في الوقت الذي نكشف عن نواقصها ونحاول تقديم عطائنا الخاص وإضافة شيء جديد.

وهكذا ننتقل من العصر الليبرالي العربي الأول إلى العصر الليبرالي العربي الثاني: أو من النهضة الأولى التي أجهضت في نهاية المطاف الى النهضة الثانية التي ستشع على العالم العربي عما قريب والتي نعتقد أنها ستنتصر بعد انحسار الموجة الأصولية الحالية. وبالتالي فقليل من الصبر أيها السادة وكثير من العمل!

لكن ما هو المقصود بعصر التنوير، وأين تبتدئ حدوده وأين تنتهي؟ في الواقع إنه لا يتطابق تماماً مع القرن الثامن عشر، وإنما يسبقه قليلاً من حيث الزمن. لنقل أنه ابتدأ في أواخر القرن السابع عشر وانتهى بالثورة الفرنسية التي كانت ثمرته اليانعة أو محصلته الأخيرة. بهذا المعنى يمكن القول إن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس.

كل سياسة بدون فكر كبير يحتضنها أو يمهد لها الطريق تكون عمياء، أو كمن يخبط خبط عشواء. وكل فكر لا يؤدي إلى السياسة أو لا يُترجَم على أرض الواقع سياسياً وعمليا يكون عقيماً لا معنى له. لقد ابتدأ عصر التنوير عام 1685 تحديداً، أي عندما كانت أزمة الوعي الأوروبي مع ذاته قد وصلت إلى ذروتها القصوى.

في ذلك الوقت كان الوعي المسيحي التقليدي قد أصبح عاجزاً عن الاستمرارية كما هو، أي كما فعل طيلة العصور الوسطى. وأصبح مضطراً لأن يأخذ الاكتشافات العلمية والجغرافية والتاريخية بعين الاعتبار. ولكن بما أنه كان عاجزاً عن مسايرة التطور ضمن صيغته التقليدية المتحجرة فإنه وقع في أزمة مع ذاته وفي تضاد مع هذه الاكتشافات الحديثة. وكانت أزمة عنيفة، حادة، لها ضحاياها.

هذا يعني أن التغيير لا يمكن أن يحصل بدون عنف، خصوصاً في أوقات الاحتقانات المتراكمة أو المنعطفات التاريخية الكبرى. بالعنف تنطلق الشحنة الهائلة للحرية. العنف هو لغة من لا لغة لهم، من منعوا عن فتح أفواههم زمناً طويلاً.

وبالتالي فإن التقليد الكهنوتي المهيمن الذي يكاد يخنق الأنفاس ويقضي على نسمة الحرية في جوانح الإنسان قد دفع بالمفكرين الأوروبيين دفعاً إلى الانفجار. لقد أجبر الفلاسفة وبخاصة فولتير وديدرو والموسوعيين على الدخول في معركة هائلة مع اليسوعيين والأصوليين المسيحيين. وكان انفجاراً مدوياً هائلاً وصلت أصداؤه إلى مختلف أرجاء القارة الأوروبية والعالم.

والانفجار ضد الذات من أصعب الانفجارات لأنه يكاد يحرق الأخضر واليابس ويقضي على القريب قبل البعيد. ولكنه يبقى الحل الوحيد إذا ما زاد الكبت عن حده وأطبقت هيبة «الأب - التراث» على الأرواح والعقول. وهذا ما كان حاصلاً في ظل الأنظمة الإطلاقية المسيطرة على الشعوب الأوروبية. لكن الانفجار الفكري سبق الانفجار السياسي بزمن طويل.

ولولا أن مفكري التنوير (ومن سبقهم بفترة قصيرة) قد لغموا الهيبة التقليدية للتراث بتحليلاتهم النقدية، ولولا أنهم كشفوا عن آليات القمع الداخلية والمستترة للنظام السائد، ولولا أنهم عرّوا أو فكَّكوا تلك العلاقة الكائنة بين المشروعية الكنسية/وأنظمة الاستبداد المطلقة، لولا أنهم فعلوا كل ذلك لما استطاع قادة الثورة الفرنسية أن يطيحوا بالنظام القديم الراسخ الجذور.

وبالتالي فلا ينبغي أن نستهين بالمعارك الفكرية ودورها في التغيير، أو في التحضير للتغيير. هذا ما تعلمنا اياه التجربة الأوروبية. وبالتالي فينبغي على المسيَّسين المتسرعين أن يخفّفوا قليلاً من تسرعهم وأن يكفوا عن حرق المراحل. فالفكر يسبق السياسة كما قلنا، والسياسة التحريرية تجيء كتتويج للفكر العظيم. والتغيير لا يحصل إلا بعد أن تزرع البذور وتخصب الأرض وتحبل بالممكنات.

وبالتالي فلا داعي لاستعجال التغيير غصباً عنه لأنه لن يجيء إلا في وقته. ولو أن مفكري التنوير كانوا أنانيين، لو أنهم قالوا بينهم وبين أنفسهم: لن نحرك ساكنا ولن نتعب ونشقى لأننا لن نقطف الثمرة في حياتنا، لما فعلوا شيئا ولما عرضوا أنفسهم للمخاطر..

كان فولتير وروسو وديدرو وسواهم يعرفون جيداً أنهم سوف يموتون قبل أن يروا النتيجة، قبل أن يكحّلوا أعينهم بأول خيوط الفجر. ولكنهم مع ذلك اشتغلوا وناضلوا وضحوا من أجل الحرية ومن أجل الأجيال الأوروبية المقبلة. فهم زرعوا والآخرين يحصدون. هكذا يحصل التحرير، وهكذا تبنى الحضارات لبنة لبنة، وخطوة خطوة. ومن أصعب الأشياء بناء الحضارات. يمكنك أن تخرب، أن تهدم، ولكن أن تبني؟ من يستطيع أن يبني؟ خصوصاً من أجل الآخرين، من أجل العصور المقبلة.

كاتب سوري

باريس