يعيش الفكر الجهادي الإسلامي اليوم حالات متعاقبة من المراجعات التي تتم خلف قضبان السجون. فما بدأته الجماعة الإسلامية سابقاً تتابعه جماعة الجهاد الأشد عنفاً الآن على يد منشئ التنظيم ومُفتيه الأكثر تأثيراً وتقديراً من قبل معظم أفراد الجماعة الدكتور سيد إمام عبدالعزير الشريف المعروف باسم الدكتور فضل.

ففي أحدث وثيقة تنشرها جريدة «المصري اليوم» المصرية على حلقات بدأت يوم الأحد 18 نوفمبر بالتنسيق مع جريدة «الجريدة» الكويتية، يراجع مفتي تنظيم الجهاد ومؤسسه كافة الأفكار الجهادية التي مارست تأثيراً واسعاً على مستوى عموم العالم الإسلامي بشكلٍ ربما فاق في جوانب كثيرة منه تأثيرات سيد قطب وكتابه الشهير «معالم على الطريق».

فتأثيرات الدكتور فضل جاءت في وقت شهد تصاعداً هائلاً للتيار الإسلامي، تجاوز بدرجة كبيرة السياقات المحلية إلى السياقات الإقليمية والدولية. من هنا لعبت الأفكار الجهادية التي ظهرت في السبعينات دوراً بالغ التأثير فيما بعد وعلى رأسها كتابات الدكتور فضل.

وللدكتور فضل تاريخ طويل مع العمل الجهادي، الأمر الذي يمنح وثيقته، التي جاءت تحت عنوان يحتمل الكثير من التأويل «ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم»، أهمية كبيرة بالنسبة للمتابعين لشؤون الجماعات الإسلامية بعامة ولأعضاء جماعة الجهاد على وجه الخصوص. وُلد الدكتور فضل في مدينة بني سويف المصرية عام 1950، وتخرج طبيباً بتقدير امتياز من كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1974.

وقد شكل مع أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، تنظيم الجهاد حيث أصبح أميراً له حتى عام 1993، حيث تولى الظواهري إمارة التنظيم بعد ذلك كخليفة للدكتور فضل بعد اندلاع خلافات فقهية فيما بينهما. من هنا فإن البعض يعتبر الدكتور فضل من أهم قادة العنف الجهادي في العقود الأخيرة، إلى الحد الذي يعتبره فيه منتصر الزيات محامي الجماعات الإسلامية في مصر الفقيه الثاني المؤسس لفقه العنف والجهاد في العالم الإسلامي بعد سيد قطب.

وما يهمنا هنا هو طبيعة وثيقة ترشيد الجهاد التي فاجأت الجميع بمن فيهم أيمن الظواهري نفسه، تلميذ الدكتور فضل، وخليفته في قيادة تنظيم الجهاد. كما يهمنا هنا الإشارة إلى أن وثيقة ترشيد الجهاد قد حازت على موافقة ومباركة معظم أعضاء تنظيم الجهاد خلف القضبان.

فالهدف الرئيسي الذي تنطوي عليه الوثيقة هو نبذ العنف، والعودة بأعضاء التنظيم إلى دائرة الدعوة ووقف العمليات المسلحة. وتنبع أهمية الوثيقة من كون الدكتور فضل صاحب تفكير أممي لا يرتبط بتنظيم بعينه، وهو ما يمنح كتاباته تأثيراً عالميا، خصوصاً أن الرجل يكتسب احتراماً كبيراً بين صفوف تنظيم الجهاد في كافة أنحاء العالم. وربما هذا هو ما أحدث صدمة هائلة لدى أسامة بن لادن، بعد معرفته بالمراجعات الفقهية الجديدة الخاصة بالدكتور فضل، والتي تعيد تشكيل مسائل الجهاد على أسس وقواعد جديدة.

للدكتور فضل ثلاثة كتب هامة، أولها «العمدة في إعداد العدة» الصادر عام 1988، وهو يمثل مانيفستو تنظيم الجهاد الخاص بممارسة العنف والجهاد. لقد لعب هذا الكتاب دوراً كبيراً في تبرير العنف والجهاد ضد الدول الإسلامية التي لا تقر شرع الله، كما أنه أقر مبدأ العنف سبيلاً لتحقيق التغيير وإنشاء مجتمع إسلامي حقيقي.

ومنذ كتاب سيد قطب «معالم على الطريق، وكتاب «الفريضة الغائبة» لعبد السلام فرج، لم يبرز كتاب يمارس تأثيراً هائلاً على جماعات العنف في العالم الإسلامي مثلما هو الحال مع كتاب «العمدة في إعداد العدة» الذي اتخذه أسامة بن لادن دليلاً لتبرير هجومه على الدول الغربية وعلى الأجانب وعلى الحكومات الإسلامية الفاسدة من وجهة نظره.

وتلا هذا الكتاب كتابان آخران حاول من خلالهما أن يعدل الدكتور فضل من فتاواه السابقة بخصوص العنف والتغيير ودور الشريعة، حيث نشر كتابين هما، «الجامع في طلب العلم الشريف» و«النصيحة في التقرب إلى الله تعالى» عامي 1993 و 2006. وفي الكتاب الثاني بالأساس ينتقد الدكتور فضل سلوك جماعة الجهاد، ويحيد عن كثير من آرائه السابقة التي تبنتها الجماعة، وأدت إلى استفحال وتيرة العنف، وعلى رأسها مجزرة الأقصر ضد السياح الأجانب.

ويعتبر الكتاب الثاني هو سبب الانشقاق الهائل بين الدكتور فضل وتنظيم الجهاد، وهو الأمر الذي أدى به إلى إعادة طبعه مع إضافة مقدمة تهاجم جماعة الجهاد وتصفها «بالجماعة الأثيمة»، كما أنه أكد على أن قادتها مثل أيمن الظواهري ورفاقه هم من «العوام الجهال». وفي الكتاب الأخير ينتهي الدكتور فضل إلى نقد الجماعة وطرائق عملها في المجتمع، وبشكلٍ خاص العنف الهائل وغير المبرر.

ويشكل الكتابان الأخيران، إضافة إلى الوثيقة الأخيرة محاولة من قبل الدكتور فضل للتبرؤ مما اقترفه تنظيم الجهاد بالاستناد إلى أفكاره الأولى الواردة في كتابه الشهير «العمدة في إعداد العدة».

يعني ما سبق أن مراجعات الدكتور فضل الفقهية بخصوص الجهاد قديمة، وأن وثيقة ترشيد الجهاد الأخيرة ما هي إلا حلقة ضمن حلقات المراجعة والتعديل.

وهو ما برز بشكلٍ كبير في وثيقته الأخيرة الخاصة بترشيد العمل الجهادي. ورغم أن الوثيقة تحمل كلمة «ترشيد» الأمر الذي يعني تغيير أشكال الجهاد وتغيير وتيرته، فإن الوثيقة نفسها تؤكد على عدة جوانب هامة تمثل قمة المراجعات الخاصة بفقه العنف والجهاد منها.

تؤكد الوثيقة على تهاوي تلك الأوهام التي ارتكز إليها تنظيم الجهاد من ناحية ضعف السلطة في العالم العربي؛ فبعد مرور ما يزيد على الثلاثة عقود من الزمان ما زالت السلطات في العالم العربي تتمتع بالهيمنة المطلقة على شؤون الحكم، إضافة إلى تزايد قدراتها البوليسية على قمع التيار الإسلامي والزج بالآلاف من أعضائه خلف السجون.

ولعل هذا هو ما جعل الدكتور فضل يؤكد على أنه لا يجوز الصدام مع السلطات الحاكمة في البلدان الإسلامية من أجل تطبيق الشريعة، كما جعله أيضاً يرفض مبدأ الاستحلال الجهادي الذي مارسه تنظيم الجهاد لفترات طويلة، حيث يتم القتل على الهوية والمذهب ولون الشعر وسرقة محال الذهب وأموال الآخرين المخالفين في العقائد والتوجهات.

ومن أهم الجوانب التي يؤكدها الدكتور فضل في وثيقته، التي مازالت تتابع حلقاتها، أنها تشتمل على مراجعة للذات وللتنظيم وللجماعة. يقول الدكتور فضل «أنني لست عالماً ولا فقيهاً ولا مجتهداً وما في كتبي ليس من باب الفتوى وإنما هو مجرد نقل العلم إلى الناس وهذا لا يشترط له بلوغ مرتبة الاجتهاد».

ويؤكد الدكتور فضل أنه لا يكتب من أجل جماعة بعينها لكنه يكتب لكل المسلمين، في إشارة واضحة إلى رغبته في عدم إلصاق أفكاره بالتيار الجهادي القائم على العنف. من هنا فإنه يؤكد على أنه لا يجوز الاحتجاج بكتاباته من أجل ارتكاب مخالفات شرعية.

تفتح وثيقة الدكتور فضل الباب واسعاً أمام العديد من القضايا المختلفة التي يصعب تجاهلها في هذا السياق. أولاً فقد جاءت هذه المراجعات الفقهية الجوهرية خلف قضبان السجون، وتحت أعين وهيمنة السلطات المصرية، التي باركت هذه المراجعات إلى حد بعيد. وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات كثيرة حول ضغوط السجون ودورها في تلك المراجعات الفقهية لجماعات الجهاد المختلفة.

وما إذا كانت هذه المراجعات تتم من أجل أهداف تكتيكية أبرزها الحصول على المزيد من الإفراج لأعضاء الجماعة القابعين خلف القضبان، أم أنها تتم لأهداف استراتيجية تعيد بنية الجماعات الجهادية فكريا وأيديولوجيا بما يتسق مع التحولات الإقليمية والعالمية المحيطة.

وثانياً فإنه من الضروري أن يشمل السياق العام هذه المراجعات بالمزيد من النقاش والتفهم والتقرب. فالواضح أن المسافة قد أصبحت متباعدة بين التيار الإسلامي وبين كافة التيارات الفكرية الأخرى، كما أن البعض، استناداً لعلاقاته القوية بالسلطة في العالم العربي، يمارس اندفاعات نقدية حادة للتيار الإسلامي، كما لو كان تياراً أجنبيا لا يمت بصلة للواقع العربي الحالي.

كما أن البعض من أبناء الأقليات يستفيد من تلك المواجهات الحادثة بين الحكومات العربية وبين التيار الإسلامي، سواء من خلال تضخيم الأحداث، أو من خلال العمل على تسخين وتيرتها. من الضروري أن يلتف الجميع الآن من أجل ايجاد سياق جديد من المصداقية والطمأنينة بين المثقفين والحكومات العربية من ناحية، وبين أعضاء التيار الإسلامي من ناحية أخرى، بما يحقق قدراً كبيراً من الأمن والسلم الاجتماعي.

وربما تمثل وثيقة الدكتور فضل بادرة جيدة في هذا السياق من أجل الدفع نحو المزيد من المراجعات التي يجب أن تشمل الجميع في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل التاريخ العربي المعاصر.

كاتب مصري