اقرأ هذا المقتطف من التاريخ القريب: « أيها الأميركيون: إنكم تريدون أن تحلوا محلنا في فيتنام، وبالتالي إعادة إشعال الحرب التي وضعنا نحن نهاية لها. إنني أتنبأ لكم بأنكم سوف تتورطون خطوة بخطوة في مستنقع عسكري وسياسي بلا قاع».
المتحدث هو الرئيس الفرنسي شارل ديجول. والشخصية الموجه إليها الخطاب هي الرئيس الأميركي جون كينيدي. كان ذلك في عام 1961، وديجول كان يشير إلى تلك الهزيمة العسكرية التاريخية الحاسمة التي منيت بها فرنسا في فيتنام في عام 1954، وبعد خروج الفرنسيين من الأرض الفيتنامية دخل الأميركيون لسد الفراغ إيذانا باستعمار جديد باسم «احتواء المد الشيوعي» في آسيا الشرقية.
كينيدي تفهم نصيحة الزعيم الفرنسي المخضرم لكنه دفع حياته ثمنا عندما شرع في تطبيقها. وعلى الرغم من أنه حتى اليوم وعلى مدى ما يقارب 45 عاما تظل حادثة اغتيال الرئيس كينيدي غامضة إلا أن أقوى النظريات هي أن كبار جنرالات البنتاغون ـ ومن ورائهم شركات إنتاج السلاح ـ هم الذين وضعوا خطة التدبير والتنفيذ لازهاق روح الرئيس.
ففي اليوم الذي نفذ فيه الاغتيال وجد على طاولته في «المكتب البيضاوي» وثيقة خطية تتضمن أمراً رئاسياً بسحب القوات الأميركية من فيتنام. وكانت الوثيقة تنتظر عودة الرئيس إلى مكتبه ليضع عليها توقيعه. لكن بالطبع لم يقدر للرئيس كينيدي أن يعود أبداً. وهكذا امتدت الحرب بين القوات الأميركية وقوات الثوار الفيتناميين حتى عام 1975 حين انسحبت القوات الأميركية بعد هزيمة ساحقة وماحقة.
الآن يعيد التاريخ نفسه بصورة مختلفة. فيتنام الأمس هي عراق اليوم. وعندما عقد الرئيس جورج بوش الابن قبل ما يقارب خمس سنوات العزم على غزو العراق وجد ناصحا فرنسيا ديجوليا هو الرئيس جاك شيراك. لكن الفارق الأكبر بين الأمس واليوم هو أن جورج بوش لم يقبل النصح الفرنسي مما أدى بالولايات المتحدة كما نرى إلى «التورط في مستنقع عسكري وسياسي بلا قاع».
ماذا نستخلص إذن؟
الخلاصة هي أن الولايات المتحدة لم تنجب بعد رحيل جون كينيدي المأساوي رئيسا في مثل قامته واستقلاليته وشجاعته ـ رئيس يتخذ قراره بمعزل عن جنرالات البنتاغون وأطماع الذاتية كولاء لأباطرة صناعة الأسلحة الذين لا تروج سلعتهم التدميرية إلا من خلال إشعال حروب تلو حروب. وبمعزل عن منظمات الضغط اليهودية الصهيونية.
عقب فشل حملة ـ الغزو الأميركية على كوبا كاسترو التي أطلق عليها «معركة خليج الخنازير» قال إن هذه التجربة علمته عدة أشياء: «أولا.. ألا أثق في الجنرالات أو وكالة الاستخبارات المركزية. وثانيا أنه إذا كان الشعب الأميركي لا يرغب في استخدام القوات الأميركية لإزالة نظام شيوعي على بعد 90 ميلا فقط من ساحلنا (كوبا) فكيف أطلب منه استخدام قوات لإزالة نظام شيوعي يقع على بعد تسعة آلاف ميل (فيتنام).
مع استسلامه للجنرالات من ناحية وقادة المنظمات الصهيونية الذين تمثلهم في البيت الأبيض مجموعة «المحافظين الجدد» فإن شخصية جورج بوش تختلف عن طراز جون كينيدي. وإلى أن تستطيع الولايات المتحدة أن تنجب قيادات وأن تنجب رؤساء متعاقبين من طراز كينيدي فإن عالم العصر بما في ذلك الشعب الأميركي نفسه سوف يبقى موعودا بحروب تلو حروب لحين إشعار آخر.