لبنان اليوم، أمام ساعة الصفر. عند منتصف الليل تنتهي المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد له. عند منتصف النهار من المفترض أن يعقد المجلس النيابي جلسته المقررة لانتخاب هذا الرئيس.
بين المنتصفين، تتحدد وجهة الحقبة التي سيدخلها البلد. يتقرر مصير أزمته: إما إلى الانفراج والبدء في طي صفحاتها؛ وإما إلى الطريق المفتوحة على شتى المنعطفات والمطبات الخطيرة. الحل متوقف على حصول توافق ما يؤدي إلى عقد جلسة تطلع برئيس. وهذا بدوره مرهون بتقاطع حسابات ومواقف وجهود، برّانية وجوّانية، تتلاقى عند خيار الانتخاب.
فاتت مواعيد وجلسات ـ ثلاثة ـ في السابق. وهذه المرة، لا مجال للتأجيل وعقد الآمال على الموعد اللاحق. حكم الوقت نهائي؛ والفرصة بالتالي هي الأخيرة. مع ذلك لا يزال المشهد الانتخابي يتراقص مثل بندول الساعة بين الساخن والفاتر. لمعت ومضات باردة، أو ما شابه خلال جولات الوسطاء الماراثونية في بيروت خلال الأيام الأخيرة، لكنها سرعان ما تلاشت.
سقطت ضحايا حروب الضمانات والآليات والفيتوات؛ المتبادلة، وبذلك عادت المنافسة بين «فخامة التوافق» و«فخامة الفراغ»؛ على أشدها. منسوب الخشية تزايد. وكأن الكفة بدأت تميل باتجاه معاكس للأول، أو على الأقل باتجاه يصب في تعزيز احتمالات الثاني.
تواتر التلميحات حول الخيارات والبدائل المتاحة والضامنة لبقاء الوضع تحت السيطرة، فيما لو تعذر الانتخاب التوافقي، يوحي بذلك. وهو كلام حملته تصريحات وتناقلته صحف. وفي ذلك مؤشر إلى أن مثل هذه الحالة غير مستبعدة. وربما بسبب ثقل هذه الأجواء حرص الوسطاء على التحدث بلغة تبقي على شيء من التفاؤل.
أمين عام الجامعة العربية، شدد على أن «الأمل غير مفقود». وزير الخارجية الفرنسي وعد بـ «مفاجأة سارة»، اليوم الجمعة. التحق به أمس، في بيروت، وزيرا خارجية إيطاليا واسبانيا. استنفار المساعي والتحركات بأعلى درجاتها، خيار إجباري. خاصة وأن أحداً لم يقفل الباب أمام المحاولات. الجميع يردد أنه منفتح على الأخذ والرد حول الصيغ المطروحة. ولذلك الوساطات جارية. الأمر الذي يبقي على الأمل بالعثور على مخرج اللحظة الأخيرة.
لكن بقدر ما لهذه التحركات والمحاولات من أهمية في العمل على إخراج الأزمة من عنق الزجاجة؛ بقدر ما يتوقف النجاح في هذه المهمة على تجاوب الأطراف اللبنانية، وهذا لم يعد يقاس بإبداء الاستعداد والنوايا الطيبة. تلك لغة مضى عليها الزمن. اللحظة ما عادت تسمح بشراء مثل هذه البضاعة.
طبيعتها الحاسمة صارت تتطلب الفعل والموقف واستطراداً التزحزح والتنازل، بصورة متبادلة، وحده القبول بحلّ وفاقي حقيقي، لا حل وفاقي مفصّل على قياسات أصحابه؛ يؤدي إلى إنجاز هذا الاستحقاق على خير. تحييد البديل عن لبنان المنهك مسؤولية كل الأطراف.
وبنفس القدر، مصلحة كل الأطراف. تجارب اللبنانيين كما تجارب بعض إخوانهم في الجوار؛ تؤكد ذلك. وهم لا شك يدركون بأن تفويت الفرص الذهبية يؤدي إلى خسارتين: إنها لا تتكرر غبّ الطلب وإنها تفضي إلى الندم بعد الثمن الكبير، حين لا يعود ينفع الندم.
