تعكس الزيارة التي بدأها ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران المفتش العام صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز أمس إلى روسيا حقيقتين أساسيتين، أولاهما تتعلق بمكانة البلدين على الصعيد الدولي، والثانية بالتطور الكبير الذي لحق بعلاقاتهما خلال الفترة الماضية.

أما المكانة، فيؤكدها حضور المملكة بقيادتها الحكيمة وسياستها الهادئة الواعية، في مختلف القضايا الدولية والإقليمية، وليس أدل على ذلك من دورها في حسم ملفات عدة على نحو ما حدث في المصالحات التي رعاها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في السودان والصومال، وكذا بمواقفها الرصينة تجاه العديد من القضايا، كموقفها من الوضع في كل من العراق ولبنان وباكستان، فضلا عن دورها المشهود في مكافحة ظاهرة الإرهاب، والتصدي للأفكار المتطرفة.

وعلى ما تقول الشواهد فإن مكانة السعودية الدولية، لم تعد ترتبط فقط بقدراتها الاقتصادية، كأكبر منتج للنفط في العالم، بل إنها تجاوزت ذلك إلى فضاءات أوسع، فالمملكة تتبوأ في الوقت الراهن، الزعامة السياسية للعالمين العربي والإسلامي. وهي ضامن الاستقرار في المنطقة، وراعي الفقراء في أكثر من ناحية بالعالم. كما أنها - وبشهادة المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل - صاحبة كلمة مسموعة في محيطها وما وراء هذا المحيط.

وبالمثل، تشكل روسيا فاعلا دوليا مؤثرا، ففضلا عن قدراتها الاقتصادية المتنامية، تلعب موسكو دورا كبيرا في منطقة وسط آسيا، ولها تأثير في العديد من القضايا التي تهم العرب، كأزمة الملف النووي الإيراني، والصراع العربي - الإسرائيلي، والقضية العراقية. هذا فضلا عن وجودها كعضو دائم في مجلس الأمن.

و المتأمل للسياسة الخارجية الروسية في السنوات الماضية يجد حرصا من جانب الرئيس فلاديمير بوتين على توثيق أواصر التعاون مع دول الشرق الأوسط، وبالذات العربية منها، أملا في توظيف قدرات كلا الطرفين لخدمة قضايا التعاون المشترك، والعودة بالسياسة الدولية إلى دائرة العقل والقانون التي فارقتها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. ولا شك أن مثل هذا المسعى الذي يقابل من جانب الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية بالترحيب، من شأنه أن يضاعف من فرص الطرفين في تحقيق هذا الهدف.

أما على صعيد العلاقات السعودية - الروسية، فتمثل زيارة ولي العهد محطة جديدة في رحلة طويلة للصداقة والتعاون بين البلدين الكبيرين، فقد كانت روسيا السوفيتية أول من اعترف بالمملكة عام 1926 بعد ضم الملك عبد العزيز الحجاز، كما كانت من أكثر الدول حرصا على التواصل مع الملك المؤسس الذي حظي بتقدير كبير، تؤكده وثائق الخارجية الروسية، ويشهد عليه الاستقبال الحافل الذي قوبل به الأمير ( الملك ) فيصل حين زار موسكو في عام 1932.

وعلى الرغم من تطورات داخلية روسية، أدت إلى غياب العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فإن المملكة، لم تنكر على موسكو دورها في دعم الحق العربي في فلسطين المحتلة. كما أن روسيا لم تنكر أهمية السعودية الدولية والإقليمية، ولمحت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة التواصل معها.

ومنذ مطلع التسعينيات، شهدت العلاقات بين الجانبين تطورا كبيرا، جسدته عودة العلاقات الدبلوماسية وزيارات كبار المسؤولين الروس إلى الرياض، والمسؤولين السعوديين إلى موسكو، وهو التطور الذي وصل ذروته بزيارتي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى موسكو عامي 2002 و2004، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرياض في فبراير الماضي.

إن الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين في البلدين، وبكل ما يسفر عنها من نتائج كبيرة على صعيد التعاون المشترك، تدل على الوعي الكبير من جانب قيادتي السعودية وروسيا لأهمية تعزيز العلاقات الثنائية، ليس فقط لما سيعود على الشعبين من ورائها، وإنما لفوائدها المؤكدة على صعيد القضايا الدولية والإقليمية.