حينما قبلت عضوية الجماهيرية الليبية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومقره في جنيف، ومن ثم انتخبت ممثلة ليبيا في المجلس رئيسة لهذا المجلس.
وجاءت لتلقي كلمتها الافتتاحية وقف جمع غفير من ممثلي جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم والذين كانوا يحضرون الجلسة وألقوا بحزم من الأوراق البيضاء في الهواء وفي وجه السيدة رئيسة المجلس وفي فضاء المكان، ومن ثم غادروا!
دلالة التصرف واضحة، كانوا يحتجون على طريقتهم، وبشكل حاسم وقوي الوقع، فليبيا من وجهة نظرهم ليست أهلاً لرئاسة هذا المجلس المعني برصد واقع حقوق الإنسان في العالم، استناداً لمواقفها، وليست ليبيا فقط ولكنها معظم الدول العربية، وإذا أردنا الدقة فعدد الدول التي تتجاوز حقوق الإنسان كثير جداً على اختلاف درجات التجاوز والانتهاكات!
من هنا فإن الجهد الذي تبذله كثير من دولنا العربية لتحسين صورتها في مجال حقوق الإنسان يجب أن يأخذ منحى آخر، وأن تصدق فيه النوايا بدل أن يبقى مجرد مظاهر شكلية لا أكثر ولا أقل، للخلاص من الضغوط الدولية.
ومن إرباكات تقارير المنظمات العالمية المشتغلة في هذا المجال، والتي ـ للأسف ـ لا تبدو تقاريرها حيادية بالشكل المطلوب، فمنظمة مثل «هيومان رايتس ووتش» مثلاً تصدر تقريراً بانتهاكات حقوق الإنسان لا يتوغل في الشأن الإسرائيلي ذي الانتهاكات الصارخة ضد الشعب الفلسطيني.
في الوقت الذي تصرح باستمرار بانتهاكات حماس، وبانتهاكات حقوق العمال عندنا في الإمارات، وبالمطالبة بإدانة العمليات الاستشهادية ضد «الآمنين» الإسرائيليين، وكأن ما عداهم ليسوا آمنين وليسوا من فصيلة الإنسان.
هذا لا يعني أبداً أن هذه المنظمات لا تؤدي جهداً جباراً في التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان في الوقت الذي نعرف أن بعضها ليس بناج من التحيز والتسييس، ولا يعني أن معظم بلادنا العربية خال من الانتهاكات.
وأن هذه المنظمات تتجنى علينا، لكن لا يعني أيضاً أن وضعنا ميؤوس منه ولا أمل في مستقبل تصير فيه هذه الحقوق ثقافة عامة، وحقوقاً محترمة ومقرة وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمواثيقه ومعاهداته المختلفة، مع الأخذ بعين الاعتبار تحفظاتنا الخاصة والمتماشية مع خصوصيتنا الدينية تحديداً!
لايعبد الله على جهالة، ولا يتم الدفاع والإقرار بحقوق الإنسان على جهالة أيضاً، المسألة تحتاج إلى تعلم وتدريب وتثقيف وتربية، وتحتاج إلى فهم ونشر لهذه الثقافة، ولهذا فإن قرار تدريس هذه الثقافة في مدارسنا في الإمارات خطوة متقدمة جداً نتمنى أن تتم بأساليب صحيحة وغير نمطية وتقليدية، لأن الفكرة في حد ذاتها غير نمطية وغير تقليدية، كي تعي الأجيال حقوقها، وآليات الدفاع عنها على بينة وعلم ودراسة.
