وأخيرا حققت موسكو تعهداتها، وأنجزت التزاماتها، بإنهاء سحب قواتها التي كانت تتواجد في جورجيا منذ العهد السوفييتي، وتم ذلك قبل بداية عام 2008.إلا ان التواجد العسكري الروسي في مناطق القوقاز الأخرى مازال في مواقعه، سواء ضمن قوات حفظ السلام في ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية، او وفق اتفاقات التعاون الأمنية مع أرمينيا التي لا تزال روسيا تحافظ على علاقات حسنة معها.

ومنذ قمة الأمن والتعاون الأوروبي في اسطنبول عام 1999 التزمت روسيا بسحب قواتها من جورجيا وفق جدول زمني، وعقب انهيار نظام شيفرنادزة وتولى ميخائيل ساكاشفيلي السلطة، أصبحت سياسة الحكومة الجورجية معادية لروسيا، وحاول الرئيس الساخن اجبار موسكو على الإسراع بسحب قواتها ، عبر سلسلة من الأعمال الصبيانية، فتارة تقوم قوات الأمن الجورجية باعتقال العسكريين الروس بحجة انهم يتجولون في المناطق المجاورة بدون تصريح من السلطات المحلية.

بهدف وضعهم تحت الإقامة الجبرية في القاعدة الروسية، وتارة أخرى ترفض السفارة الجورجية في موسكو منح تأشيرات دخول لبعض العسكريين الذين كانوا يكلفون بمهام ضمن القاعدة الروسية، حتى يتمكنوا من الذهاب لمقر القوات الروسية في جورجيا.

وقد رفضت حكومة تبليسي التي تهرول للانضمام إلى حلف الناتو التصديق على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة في اوروبا والتي وقعتها قيادة الناتو مع روسيا، بحجة أن وجود قوات روسية في جورجيا يمنع المصادقة على هذه المعاهدة. ومع ذلك من المستبعد أن يؤدى سحب القوات الروسية من جورجيا إلى المصادقة على المعاهدة المذكورة.

والمثير للدهشة أن الناتو يتحدث عن تعهدات موسكو بسحب قواتها من جورجيا ومولدافيا كشرط للمصادقة المعلقة على معاهدة تقليص القوات التقليدية في أوروبا، بالرغم من أن التزام روسيا بسحب قواتها لم يتم ربطه بتعديل المعاهدة المذكورة وفق الاتفاقات التي تم التوصل إليها في قمة اسطنبول.

ويصعب القول إن حديث الناتو عن سحب القوات الروسية من جورجيا يستند إلى حرص الغرب على سيادة واستقلال الجمهورية الصغيرة، وإنما يترافق هذا مع دعوات في الأوساط حلف شمال الأطلسي تدعمها سياسة نظام ساكاشفيلي تطالب بملء الفراغ، وإرسال قوات أطلسية لتحتل ثكنات الجيش الروسي، لتساعد حكومة تبليسى على ضم الإقليمين المتمردين ابخازيا وآسيتيا الجنوبية.

ما يكشف عن انياب ديمقراطية الغرب، التي تكيل بمكيالين، وترفض استقلال هذين الإقليمين في نفس الوقت الذي تستخدم فيه كافة الوسائل لفصل إقليم كوسوفو عن صربيا.

وكأن الإنسان له حقوق في كوسوفو وليس له الحقوق نفسها في ابخازيا وآسيتيا الجنوبية، بل انه من المؤكد ليس له حقوق في الأراضي الفلسطينية، لأن الغرب قد فرض حصارا عليها منذ شهور طويلة، ما يقود قطاع غزة لكارثة إنسانية لا يعبأ بها زعماء الديمقراطية في العالم.

ويبدو واضحا أن الإصرار على انسحاب القوات الروسية من جورجيا ومولدافيا، والذي ترافق مع توسع عضوية الناتو بضم سبع دول جدد(من حلفاء موسكو السابقين)، على أساس (معايير نوعية) مخفضة لحد كبير، باعتبار أن جيوش الأعضاء الجدد غير قادرة على العمل المشترك مع القوات المسلحة الأميركية الأوروبية سواء من حيث تدريبها أو تسليحها.

مما يعنى أن الولايات المتحدة تؤيد توسع الناتو المخالف لاعتبارات الجدوى العسكرية من أجل تعزيز مواقعها السياسية في أوروبا، وإزاحة روسيا في الغرب من ساحل بحر البلطيق، وتحويل إقليم كالينينغراد الروسي إلى مقاطعة محاصرة من دول الناتو، تفصلها عن الأراضي الروسية دولتان من دول الناتو هما بولندا وليتوانيا .

ويتم في الجنوب احتواء روسيا من جهة ساحل البحر الأسود حيث ينضم إلى تركيا- عضو الناتو القديم - حليفان جديدان هما رومانيا وبلغاريا.

هذا يجعل المعاهدة التي يتباكى عليها ساسة الغرب مجرد اتفاق شكلي لا يحقق أي توازن يضمن التعايش السلمي. خاصة أن دول البلطيق التي انضمت إلي الناتو، لم تدخل ضمن نطاق التقييدات التي تفرضها المعاهدة المذكورة.

أما انضمام رومانيا وبلغاريا وحدهما فيؤدي الى تعدي القيود المفروضة بالمعاهدة على انتشار الدبابات والمصفحات والمدافع بقدر2200 دبابة و3300 مصفحة و2000 مدفع لصالح الناتو.

وقد باءت محاولات موسكو بالفشل في تجنب هذا التوسع أو الحصار الأطلسي، ليس فقط بمطالبة الغرب بالمصادقة على معاهدة تقليص القوات التقليدية المعدلة وفق اتفاق اسطنبول، وانما عبر تقديم مقترح لدول البلطيق بالمصادقة على معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية بشكلها السابق قبل انضمامها الى الناتو. إلا أن دول البلطيق رفضت هذا الاقتراح، باعتباره محاولة لممارسة الضغط على الدول ذات السيادة.

ويعتبر العديد من القيادات العسكرية الروسية أن بقاء الناتو كمؤسسة عاملة يعبر بحد ذاته عن سياسة معادية لروسيا، باعتبار أن الغرب قد شكل هذا الحلف العسكري ضد موسكو السوفييتية التي انتهت، وبالتالي استمرار الحلف يعنى ان الغرب يرى غير ذلك.

ولابد من القول أن الناتو قد بدأ يتحلل خلال السنوات الأخيرة وقد دخل بالفعل في مرحلة الاحتضار، و لم يعد لديه مهام أو أعمال يمكن أن يقوم بها ، لأن تعارض المصالح الأوروبية -الأميركية فجر تركيبة جديدة تميز بين اوروبا القديمة المحافظة، وأوروبا الفتية (التي تنفذ سياسات واشنطن).

مثل بولندا وبلغاريا وأوكرانيا وجورجيا وقد وضع البيت الأبيض الأميركي هذه الدول الأوروبية الفتية في مواجهة مباشرة مع زعامات أوروبا التقليدية، وهو ما كان يعنى بداية النهاية للحلف الأوروبي العسكري.

لقد أصبح الناتو منتدى للديمقراطية الأوروبية الصديقة، وبدأ يفقد ملامحه كحلف عسكري، بالتالي ليس هناك ما يدعو الى القلق حول قبول الأعضاء الجدد في صفوفه أو من مشروعاته وخططه. فهو على الأرجح دليل على إضعاف الدور العسكري للحلف.

ونرى فعلا ان قوات الناتو التي تشكل لب القوة الدولية في كوسوفو فشلت عمليا في تنفيذ كل بنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1244.

حيث لم تتمكن من درء اندلاع العنف في المنطقة ولا حملات التطهير الموجهة ضد الصرب. ولا داعي للقلق من برامج الناتو وإنما يجب ان نواسي الحلف الذي أضاع هدفه وعدوه ويحاول ان يتكيف مع الظروف المستجدة.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني