أحيا الفلسطينيون الذكرى الثالثة لرحيل ـ استشهاد رئيسهم ومؤسس مشروعهم الوطني ياسر عرفات أو محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني، ويأتي الاحتفال هذه المرة في ظروف لم يكن عرفات في أسوأ كوابيسه يتخيلها.

حيث الأرض منقسمة ليس بفعل الاحتلال بل بفعل فلسطيني بين غزة التي تخضع لحركة حماس والضفة الغربية التابعة للسلطة. والجديد في الاحتفال بناء ضريح له على شكل معماري يليق بالرجل الذي كان يشرف شخصيا على قبور أصدقائه ورفاقه..

وكان ضريحه حتى قبل سنتين مهملا بلوحات غرانيت بلاستيكية وباقات ورد اصطناعية يعلوه الغبار والإهمال ولاحظت ذلك في إحدى زياراتي للضريح لتلاوة الفاتحة وكتبت عن هذا الإهمال للضريح فغضب الكثيرون لإبعاد شبهة نسيان من صنعهم وأحسن إليهم وجرى فورا إعداد مشروع لبناء نصب تذكاري فوق الضريح. عرفات اغتيل أكثر من مرة..

مرة عندما حوصر جسدياً وسياسياً في المقاطعة ومرة عندما دس له الدسم الغامض الذي أودى بحياته ومرة عندما تأمر الكثيرون ومنهم قادة أجانب للفلفة قضية مرضه وعدم إعلان أسبابها الحقيقية كتغطية على الفاعل ومرة عندما لم يتم تشريح جثمانه لمعرفة الأسباب ومرة عندما تم شق الصف الفلسطيني بانقلاب حماس في غزة.. وعمليا كانت حماس أو بعض رموزها تستعد لمثل هذا الانقلاب حتى قبل وفاة عرفات وبالتحديد عندما فرض الإسرائيليون والأميركيون عليه حصارا في المقاطعة.

حيث خرجت غزة من يده عمليا وصار يتابع شؤونها بالهاتف معتمدا على رجال ضعفاء فيما كانت حماس تستعد وتتدرب وتتسلح في موازاة السلطة ومنظمة التحرير وأخذت تطرح نفسها نداً لها.

ما بعد عرفات أثبت أن الرجل كان على حق فهو لم يثق يوما في أن الإسرائيليين يريدون سلاما حقيقيا وإنما حلولا ملفقة ومرقعة لا ترقى إلى إقامة دولة فلسطينية حقيقية وكان هو يتصرف بعقلية السادن الأمين للقضية ولم يكن يثق بمفاوض فلسطيني حتى لا يفرط..

وتعرض في كامب ديفيد لضغوط شديدة ليقبل بالمعروض عليه حتى من قبل أعضاء وفده لكنه كان يرفض.. لأنه يريد القدس ولم يحصل عليها.. وللقدس في نفسه مكانة خاصة ففيها ولد والده..

وفيها عاش عرفات طفولته.. ومنها شكل أولى الخلايا التي قاومت الاحتلال بعمليات مبكرة في عام 1967 وعام 1968 وتسلل إليها من الأردن وشكل الخلايا بنفسه، ثم توجه إلى نابلس ثم إلى رام الله ليعود إلى نابلس ويعود عبر نهر الأردن شرقاً. كل لحظة من حياته كرسها لقضيته..

ففي شبابه التحق بالجهاد المقدس وقام بتهريب السلاح من مصر إلى غزة وشارك مع الفدائيين المصريين في مقاومة القوات البريطانية على قناة السويس عندما كان طالبا وبعد ثورة يوليو أرسل برقية إلى محمد نجيب من ثلاث كلمات قال فيها «لا تنس فلسطين» وشكل أول رابطة لطلبة فلسطين في القاهرة ونصب نفسه رئيسا لها وقال لمن حوله في أول اجتماع للجنة الإدارية «شوفوا يا إخواننا من هذه الطاولة ومن هذه الغرفة ستبدأ إقامة الدولة الفلسطينية» كان لديه مقولات غريبة في غير زمانها..

وعندما غادر لبنان سئل «الى أين أنت ذاهب؟ فقال إلى فلسطين طبعاً». ظل عرفات تواقا للقتال وتدرب في مصر والتحق بالسويس مقاتلاً ضد العدوان الثلاثي وكان يريد إطلالة على العالم لخدمة قضيته واجتهد لضم رابطة الطلبة إلى اتحاد الطلبة العالمي ولذلك قصة طريفة تعبر عن قدرته على تحقيق مآربه بأية وسيلة.

فذات مرة سمع عرفات أن وفداً من اتحاد الطلبة العالميين ومقره أوروبا الشرقية كان يزور القاهرة فدعاه لزيارة مقر رابطة طلبة فلسطين وهي أول مرة يسمع فيها الاتحاد عن هذه الرابطة وكان عرفات اتخذ من مكتب لحكومة عموم فلسطين التي انتهت مقراً للرابطة وكان يدفع إيجاره.. ولما وصل الوفد كان هناك رفاق له يستقبلونه.. وجعل من أحدهم سكرتيرا له..

واتفق مع صلاح خلف «ابو اياد» على ان يتصل به هاتفياً من «كشك» قريب كل بضع دقائق.. فيما كان السكرتير يدخل عليه بأوراق بين حين وآخر ليوقعها بحضور الوفد وبين حين وآخر كان يرن الهاتف من أبو إياد ويرد عرفات بكلام منه ويذكر أسماء لندن وباريس وبرلين وبيروت..الخ.

ويغلق الخط.. وهكذا أوحى للوفد أن أعضاء الرابطة من الطلبة منتشرون في جميع أنحاء العالم.. إلى أن انتهت القروش لدى صلاح خلف ولم يعد يتصل. لكن النتيجة هو قبول فلسطين عضوا في الاتحاد. إذاً..

كان عرفات صاحب مشروع وطني فلسطيني ولما أطلق الثورة لم ينتظر أحداً لكي يشكل خلاياها في الأرض المحتلة، بل ذهب شخصيا بنفسه وشكل خلاياها الأولى وعن ذلك قال لي في آخر دردشة ليلية معه في مكتبه قبل مرضه بحوالي أسبوع «شكلت خلايا في القدس وكنت أقيم قرب المسجد الأقصى في بيت صديقي عبد الحميد القدسي» وكان القدسي حاضرا اللقاء..

وأردف عرفات مازحا «ده كان حيسلمني لليهود». ثم قال شعرت وكأنني مراقب فطلبت من عبد الحميد أن يجهز لي سيارة لأذهب إلى نابلس..

ولما وصلت نابلس اتصل بي عبد الحميد وقال «اليهود كبسوا على البيت الذي كنت فيه» امضى عرفات ثلاثة أيام في نابلس ثم شعر بأنه ملاحق.. كان الإسرائيليون يشعرون وكأن هناك شخصا ما يقوم باتصالات لتشكيل خلايا مسلحة فكثفوا من مراقبتهم في المدن..

ثم توجه إلى رام الله حيث رتب له أحد أخواله من آل أبو السعود وكان في كلية بيرزيت آنذاك غرفة، وعلم عرفات ان جنود الاحتلال داهموا البيت الذي كان فيه في نابلس. وفي رام الله وجد له الدكتور الفريد طوباسي غرفة قريبة من منتزه رام الله وعن ذلك يقول طوباسي «طلب مني ابو السعود إيجاد غرفة لأحد الإخوة الوطنيين فوجدتها في بيت مدام صلاح.

حيث أقام ذلك الرجل الذي كان يرتدي ملابس شيخ دين» ويضيف الفريد «لم أكن أعلم عنه شيئا.. لكن كان هناك شرطي ظل يخدم في مخفر شرطة رام الله بعد موافقة رجالات الحركة الوطنية على بقائه في المخفر رغم وجود اليهود..

وكان الشرطي يقصدني في عيادتي لاطلاعي على ما لديه من معلومات وذات يوم قال لي ان هناك استنفارا لجنود الاحتلال حيث يبحثون عن شيخ خطير.. وسيداهمون منازل قرب المنارة» فأسرعت إلى ميكانيكي من الجماعات الوطنية وأخذته بسيارتي إلى بيت مدام صلاح حيث يقيم الشيخ في غرفة سفلية..

وكان لي موعد معه عند الظهر في المتنزه وأوقفت السيارة في الشارع قبالة البيت وطلبت من الميكانيكي الشاب ان يذهب إلى الغرفة حيث يجد شيخاً ويطلب منه المغادرة فورا لأنه مراقب.. ولاحظت وجود انتشار كثيف لقوات الاحتلال.. وتحركت بالسيارة ولاحظت بعدها شيخاً يقطع الشارع إلى الجهة المقابلة ويختفي بين المنازل..

ويضيف طوباسي في حديثه لي الذي يكشفه لأول مرة «وعند الظهر ذهبت إلى المتنزه فإذا بالشيخ يأتي في الموعد.. ولما سألته أين اختفى قال انه دخل كراج احد المنازل فوجد سيارة فركبها وأغلق الأبواب ونام فيها.. فيما كان جنود الاحتلال يفتشون غرفته».

أفلت عرفات من الاعتقال والموت عشرات المرات لكنه لم يفلت من المرض الغامض.. لا يجب البحث عن أسباب الموت ولا عن الفاعل.. ثمة خبر قديم في صحيفة معاريف الإسرائيلية نشر في صيف 2003 باقتضاب مثير مفاده «قرر جهاز الأمن تصفية ياسر عرفات بطريقة لا تترك أثراً ولا تشير إلى الفاعل» ولما مرض عرفات بأعراض مشابهة للمرض الذي أودى بحياته في سبتمبر 2003 أشرت له إلى الخبر الذي قرأته فضحك وقال «لقد استهلكت أربعة رؤساء وزراء إسرائيليين لكن يبدو ان شارون عسير الهضم».

وأردف هذا ما قلت لاثنار رئيس وزراء اسبانيا.. لكن عرفات تعافى آنذاك ثم بعد عام وفي التاريخ نفسه أصيب بأعراض مشابهة.. فهل فشل الفاعل في المرة الأولى وحاول ثانية؟ مات عرفات، بل أماتوه والقضية من بعده تتماوت.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ــ فلسطين