صدور الدعوات وتحديد الموعد، بصورة رسمية، وضعا أنابوليس على سكة الانطلاق، استغرقت ترتيباته قرابة الخمسة أشهر. بقاؤه معلقاً كل هذه الفترة رسم علامات استفهام كثيرة حول جدية واشنطن؛ وشكوكا أكثر حول نوايا إسرائيل.

خاصة وأن الأولى كانت، كالعادة، ضبابية فيما يتعلق بالغاية والجوهر؛ وأن الثانية لم تغادر لغة التعجيز والعرقلة. الآن تقرر الانعقاد. المفترض ـ مع التحفظ والترقب الشديدين ـ أن تكون الأرضية قد توفرت للخروج بنتيجة.

إدارة الرئيس بوش تعمدت حشد مشاركة دولية وعربية واسعة، في الحدث. حوالي خمسين دولة ومنظمة دولية وإقليمية، قد جرت دعوتها. شملت بلدانا قريبة وبعيدة. من البرازيل إلى النرويج مروراً بالسنغال. وطبعا دول المنطقة. الغرض من تأمين هذا الحضور، تقول واشنطن، هو «توفير الزخم الدولي» لمحادثات السلام. لكن ماذا عن توفير عوامل النجاح؛ حتى لا نقول ضمانها؟

في هذا الصدد الخطاب لا يزال وإلى حد بعيد، على ضبابيته. أول ما يلاحظ أن عبارة «مؤتمر السلام» قد سقطت من التداول عند الإشارة إلى أنابوليس. استعاضوا عنها بأخرى أكثر عمومية لا تذهب إلى أكثر من أنه سيكون «فرصة تؤشر» إلى بداية التفاوض الثنائي الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ على حد قول دافيد والش؛ مساعد الوزيرة رايس. بمعنى أنها ستكون بمثابة استئناف لجولات المحادثات «التي توقفت منذ زمن طويل» ـ أي منذ عام 2000 بنهاية ولاية كلينتون ـ. والتي كانت تخوض بالقضايا الأساسية والنهائية.

أولمرت وصف أنابوليس بأنه «تدشين» لمفاوضات جادة! وكأنها المرة الأولى لانخراط الجانبين في عملية تفاوض. أي تدشين مرتبط عادة بانجاز يتحقق في فترة محددة؛ معروفة نهايتها ولو على وجه التقريب. ليست هكذا عند أولمرت، الذي رفض باستمرار ومعه واشنطن، تحديد جدول زمني للمفاوضات. فهو لم يذهب إلى أبعد من الكلام عن «نتائج مرضية مأمولة خلال 2008».

مفردات مطاطة تحمل أكثر من وجه وتفسير، خاصة وأن مثل هذه اللغة، عرفتها جولات سابقة؛ من دون أن تعرف الترجمة على الأرض. ثم إن المؤتمر بدا وكأنه مشغول أكثر من أي شيء آخر بتأمين أوسع حضور عربي ممكن.

وكأنه بذلك يرمي إلى تسليف إسرائيل شيئا مما تتطلع إليه، مثل الاتصال ومد الجسور مع محيطها، قبل أن تلتزم بمواقف وخطوات حقيقية تتعلق بمتطلبات السلام. ولا حتى بوضع الجولان المحتل على جدول الأعمال. مقابل حضور سوريا. وحتى في شقه الفلسطيني يبدو هذا الجدول غارقا في الاحتفاليات والشكليات.

البنود المتعلقة بصلب المفاوضات غائبة. وكان ذلك تحصيل حاصل للعراقيل التي وضعتها إسرائيل في طريق إنجاز الوثيقة المشتركة، التي كان يفترض أن تشكل الأرضية التي ينهض عليها أنابوليس؛ بحيث تكون انطلاقته، إذ ذاك، هادفة ومنضبطة بآليات تكفل بلوغها مراميها المنشودة.

إدارة الرئيس بوش أحاطت هذا الحدث بأضواء كثيرة وبهالة احتفالية كبيرة. وكأن مجرد انعقاد أنابوليس، بحد ذاته، نقلة نوعية. أما أولمرت فهو ذاهب كالبطة العرجاء. لا وضعه السياسي الداخلي على ما يرام؛ ولا هو جاهز أو راغب في القفز إلى قطار السلام.

سجله لا يوحي بغير ذلك. مراهنته على كسب ما يفوز به من هذه التظاهرة العربية ـ الدولية؛ إذا اكتمل حضورها تبقى، بذلك، الكرة في ملعب بوش المحتاج على ما يبدو إلى اختراق ما في المنطقة. فهل يلوي ذراع إسرائيل ويضعها على طريق حل مقبول؟ من الصعب المراهنة عليه في ضوء السوابق.