كان من المقرر والمفترض أن يعقد مجلس النواب اللبناني جلسة خاصة اليوم، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لكنها تأجلت مساء أمس إلى يوم الجمعة المقبل. المأمول والمطلوب أن يلتئم المجلس ويطوي في جلسته المقبلة ملف هذا الاستحقاق الهام.
لقد كان لبنان خلال الأيام الماضية ساحة لتحركات دبلوماسية نشطة ومكثفة, وانعكس ذلك في هجوم الوسطاء على بيروت وفي استنفار الدبلوماسية العربية والدولية لكل طاقاتها وعلى نحو غير مسبوق. من باريس إلى عواصم المنطقة، مروراً بموسكو.
ما يدعو إلى التخوف هو أنه بالرغم من كل هذا الحراك المكثف، تعذّر حتى الآن العثور على المخرج. بل بات أكثر صعوبة واستعصاءً، والبعض يضعه في خانة الانسداد.
ووصول الأمور إلى هذه النقطة، عند ربع الساعة الأخير، يستحضر معه سيناريوهات لا يتحملها الوضع اللبناني. فالمهلة الدستورية المتبقية، صارت تقاس بالساعات. حيث تلفظ أنفاسها عند منتصف ليل الجمعة ــ السبت.
وكان من الملفت أن التعقيدات ارتفعت وتيرتها مع زحف الوقت نحو الموعد. وكان الاعتقاد أن اقتراب هذا الأخير من شأنه أن يؤدي إلى تراخي لعبة العضّ على الأصابع.
وبالتالي إلى فتح بوابة التنازلات باتجاه التلاقي عند منتصف الطريق، خاصة بعد ما قدمت بكركي لائحة بأسماء مرشحين توافقيين؛ على أرضية ضمانات باختيار واحد منهم؛ قبل انقضاء المدة الدستورية ووفق الآليات المنصوص عليها.
فجأة حضرت لغة الفيتوات المتبادلة. وما كان بدا أنها آلية توافق، طار التوافق حولها؛ لتعود معها العملية إلى الدوامة الفارغة نفسها. وبذلك عادت عملية الإنقاذ، المشاركة فيها أطراف كثيرة، إلى الدوران هي الأخرى؛ في دوامة مشابهة.
كلام وزير الخارجية الفرنسي كوشنير المتجّول في بيروت، رسم صورة سوداوية للمشهد. تحدث عن محاولات »إفشال« و»عرقلة«. كما تحدث عن »صدمة«.
الأمين العام للجامعة العربية، الموجود أيضاً في بيروت، أشار إلى ما يفيد بغياب النوايا اللازمة، لإبرام التوافق. لو توفرت هذه الأخيرة »لما كان الموضوع بحاجة إلى أكثر من نصف ساعة لحسمه«؛ على حدّ ما قال.
عبارات، وفي هذه اللحظة من ماراثون الأزمة، تنطوي على مدلولات خطيرة. وبالقدر نفسه هي تؤشر إلى الوجهة التي تسير نحوها العملية الانتخابية.
وبالتالي البلد. فإذا لم يحصل اختراق أو استدراك في الساعات الأخيرة؛ تكون المشكلة سائرة إما إلى فراغ دستوري وإما إلى ازدواجية في الحكم، حسب معظم التوقعات والتقديرات. وكلاهما مفتوح على مضاعفات تهدّد بالأدهى. فهل يسمح اللبنانيون بذلك؟ الفسحة التي كانت متاحة، فيما مضى، لعملية التجاذب وحرب الشروط؛ تقترب من نقطة التلاشي.
البدائل عن تحقيق التوافق، معلومة. لا يتمناها أحد من أهل البلد ولا من الحريصين على سلامته ومصيره. فلا يعقل أن يتحدث الوسطاء بلغة الاتفاق والإنقاذ ويبقى أصحاب الشأن المعنيون غارقين بلغة تعني كل شيء ما عدا التوافق المطلوب ترجمته على الأرض.
وإذا كان عدم التزحزح جائزاً فيما سبق من عمر الأزمة في لبنان ــ على الرغم من كل سلبياته وخسائره ــ فإنه بات بحكم المجازفة؛ التي تهدد بالإطاحة بكل ما تدور حوله الخلافات.
ومن هنا تحذيرات الأقربين والمتخوفين والساعين لاجتراح مخرج للعقدة؛ وحثهم للأطراف المعنية اللبنانية للتصرف وفق الأولويات ولتهيّب لحظة يوم الجمعة باعتبارها فاصلة ومتعلقة بمصير وطني؛ لا يجوز تقديم أية اعتبارات عليه. وهي لحظة لو فاتت لا تعود. وعسى أن تتحكم هذه الحقيقة في القرار.
