لا يزال لبنان، كعادته، ملهما لإبداعات ومخيلات الكثيرين، مغذيا لأحلامهم وتصوراتهم التي قد تذهب، في بعض الأحيان، بعيدا وراء حدود الواقع والمتاح. ليس بحكم الطبيعة الجميلة للبنان فحسب، وإنما أيضا لأن أهله يعشقون الحياة.

ولأنه بلد الحرية الذي كان يفتح ذراعيه لكل مبدع أو صاحب رأي، حين كان الحديث، مجرد الحديث، عن الحرية في البلدان العربية الأخرى تهمة جنائية يعاقب صاحبها بأقصى العقوبات وأقساها، ويطارد إن توفرت له فرصة للهروب حياً خارج حدود وطنه!

اليوم يقف لبنان على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، يرى الكثيرون أنه لا أحد يستطيع التنبؤ بنتائجها ومآلاتها المستقبلية، مهما كانت سعة خياله وقدرته على خلق الصور البديعة ورسم ملامحها.

لكن الكل يجمع على أن المرحلة المقبلة ستكون حتما مختلفة عما قبلها، وفارقة في تاريخ لبنان السياسي والمنطقة بشكل عام، فاليوم (الأربعاء) هو الموعد المحدد للجلسة البرلمانية المؤجلة أكثر من مرة والمقررة لانتخاب رئيس للجمهورية، على بعد يومين أو ثلاثة من انتهاء ولاية الرئيس الحالي (24 /11)، والتي بعدها تنحصر الخيارات بين التوافق على انتخاب رئيس جديد أو الفراغ الدستوري المؤدي إلى الهاوية.

السباق المحموم بين هاويتي الفراغ، سواء بانتخاب رئيس ناقص الشرعية والتمثيل أو عدم انتخاب رئيس على الإطلاق، يبدو أنه قد وصل إلى نهايته دون أن يتمكن من تحقيق الفوز في هذا السباق أي من الفرقاء السياسيين المنهكين، المحليين والإقليميين أو الدوليين، رغم أنهم صرفوا كل أرصدتهم ومدخراتهم السياسية والاقتصادية والدعائية.

بما في ذلك استخدام كل أسلحة الشتائم والاتهامات المتبادلة بأشنع النعوت والأوصاف، فوق ما بذلوه من جهود مادية ومعنوية بأقصى ما لديهم من طاقات وما استطاعوا الحصول عليه من مساعدات.

مفتاح الحل الأساسي، على ما يبدو، يكمن في هذا الإنهاك من ناحية، وفي فقدان الأمل في تحقيق أي (هدف) إضافي في الوقت الضائع، ولم يعد أمام طرفي المعارضة والموالاة إلا الاحتكام إلى ضربات الترجيح، برعاية الحكم الأول البطريرك نصر الله صفير والحكمين المساعدين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري.

إضافة إلى ضغوط وتدخلات الأطراف الدولية والإقليمية التي وصلت هي، كذلك، إلى نفس المستوى من الإنهاك واليأس، وان اختلفت دوافعها وأهدافها كليا أو جزئيا.

فالإدارة الأميركية، التي يرى البعض أنها كانت العقبة الأكبر في وجه التوافق اللبناني، ليست في وضع ولا في توقيت يتحمل المزيد من الهزائم والانكسارات، وهي التي تحاول، إعلاميا على الأقل، الظهور بمظهر الباحث عن السلام الساعي إلى كسب مزيد من الحلفاء أو الحفاظ، في الحد الأدنى، على الحلفاء الحاليين الذين لم تعد خافية هواجسهم ومخاوفهم من تصرفات وسياسات تلك الإدارة.

كما أن فرنسا الساركوزية المتحمسة للقيام بدور الخادم المساعد، وأحيانا المروج المتفاني، للسياسة الأميركية في المنطقة، لا تريد أن تفتتح هذا الدور بالإخفاق في بلد كان لها فيه نفوذ قوي وتاريخي، في الوقت الذي تواجه فيه تحديات داخلية وتناقصا متزايدا في ثقة الفرنسيين برئاستهم وحكومتهم الجديدة.

أما الأطراف الإقليمية فلكل منها مشاكله الخاصة، مع ما يترتب عليها أو يرتبط بها من مصاعب وضغوط داخلية وخارجية، لا تحتمل المزيد من المغامرات غير المحسوبة والرهانات المعروف سلفا أنها رهانات خاسرة.

ومن الواضح أن كل الأطراف باتت مدركة لهذه الحقيقة، بقدر إدراكها في الوقت ذاته أن زمن المباراة قد انتهى وأنه لم يعد هنالك مجال للمناورة والمداورة، وإن بقي البعض يحاول حتى اللحظة الأخيرة، تحسين الشروط أو تقليل الخسائر.

لذلك ليس أمام الجميع خيار آخر، غير الخيار الشمشوني، وهو الوصول إلى نقطة التقاء يتم فيها انتخاب «رئيس الممكن» للبنان وفقا لما تسمح به الظروف الراهنة، محليا وإقليميا ودوليا، ما دامت الخيارات السليمة والسلمية الأخرى غير متاحة، وخيار التفجير خسارة مؤكدة لكل طرف، مهما ادعى أو تظاهر بغير ذلك.

ورغم ما في ذلك من مغامرة، أو مقامرة، فإنني مقتنع بأن لبنان، خلال الساعات المتبقية من هذا اليوم أو في اليوم التالي على أبعد تقدير، سيكون لديه رئيس جديد للجمهورية يحظى بتوافق كبير بين اللبنانيين، موالاة ومعارضة، إن لم يحصل على إجماع كل السياسيين.

وبانتخاب رئيس للجمهورية بالتوافق بين القوى السياسية اللبنانية، سيكون لبنان هو الرابح الأول، وبالتالي ستتجنب المنطقة كلها كارثة محققة، ولن يكون بين الأطراف الدولية خاسر كبير.