في السنوات الأخيرة ازدادت نسبة اختطاف الأطفال والفتيات ازدياداً ملموسا.. خاصة في مناطق الصراع والنزاعات المسلحة .. فكثيراً ما تلجأ الأطراف المتصارعة إلى ممارسة الاختطاف كأداة من أدوات العنف المنهجي ضد السكان المدنيين.. حتى بات ينظر إلى الاختطاف وخاصة (اختطاف النساء والأطفال) باعتباره سلاحاً فتاكاً يوقع أقسى أنواع الأذى بالعدو..
وقد شهدت أميركا الوسطى في الثمانينات حالات اختطاف غالبا ما كانت تؤدي إلى «الاختفاء» الدائم.. كما عانت مناطق مثل أنغولا وأوغندا وسيراليون ونيبال كثيراً من حالات الاختطاف..
ويبدو أنه قد جاء الدور على المسلمين لينالوا حظهم من هذا السلاح بعد أن أصبحوا هدفاً لحروب الغرب على ما يسمى بالإرهاب ..
ورغم غياب التوثيق والإحصاء الشامل الدقيق إلا أن الأرقام التي تعترف بها تقارير المنظمات الدولية المعنية ـ رغم أنها تمثل جزءاً من الحقيقة ـ تبقى أرقاماً مفجعة وكارثية.. فإرهاصات الحروب على السكان وخاصة المدنيين في هذه المناطق المضطربة كثيرة وخطيرة فالهجرة واللجوء والنزوح الجماعي ساهم في الارتفاعات المذهلة في أعداد السكان في مناطق اللجوء..
ناهيك عما تتسبب به هذه الهجرات الجماعية والقسرية من ضغط على الموارد المحلية والبنى التحتية والخدمات .. فأصبح القتل والموت والمرض والفقر والجوع والسرقة والتسول.. والاتجار بالبشر..
وتلوث البيئة ونضوب العديد من الموارد الطبيعية عناوين لهذه الأوضاع.. على أن العنوان ربما الأشد إيلاماً هو اختطاف الأطفال الذي بات يثير الفزع والقلق وبات يشكل هاجساً مزعجاً.
فقد جاء في تقرير معهد صحافة الحرب والسلام حول أفغانستان (رقم 125 تاريخ 9 تموز 2004) أن هناك انتشاراً واسعاً لاختطاف الأطفال حيث يختطف مئات الأطفال كل عام، ومع ذلك لم تستطع الحكومة الأفغانية ـ حتى تاريخه ـ إيقاف هذه المشكلة. فالتقارير الدولية تؤكد أن عصابات الخطف تتكاثر على مقربة من مخيمات اللاجئين .. وفي المناطق التي تسودها الفوضى والاضطرابات وتفتقد إلى الأمن والنظام.
كما تتكاثر الميليشيات المسلحة في مناطق التوتر والنزاعات وتمارس جرائمها وخاصة الاختطاف بشكل واسع.. وهناك شبكات منظمة لمجموعات صغيرة تنتشر في أكثر من منطقة ودولة تنسق وتتعاون فيما بينها في ارتكاب جرائمها..
على أن أبلغ ما في هذه المجموعات ما أكدته كل من «حنجاما أنواري» (رئيسة قسم حقوق الأطفال في لجنة حقوق الإنسان المستقلة في أفغانستان) .. والمنظمة العالمية للهجرة.. إذ أكدتا في تقاريرهما بأن معظم المسؤولية عن الاختطافات تقع على عاتق رجال الشرطة المحليين والجماعات المسلحة...
حيث تفوق قوة بارونات الحرب قوة الحكومات وقواها الأمنية. إن هذا الاعتراف يشير إلى أن هذه العصابات الإجرامية تمكنت من اختراق أجهزة الشرطة بسبب الفوضى التي تخلقها حالات الاحتلال، والغزو، والحروب الأهلية..
على أن هدف اختطاف الأطفال يكاد يكون واحداً لدى معظم المجموعات المتورطة فيه.. فهي تقوم بهذه الجرائم من أجل المال الذي تحصل عليه بالاتجار بهؤلاء الأطفال وبيعهم أو باستغلالهم جنسياً أو في الأعمال اليدوية أو لنقل أعضائهم.. أو في التهريب وخاصة المخدرات.
في الأسابيع الأخيرة سلطت الأضواء على جمعية («آرش دو زو» أو قوس الغابة) التي ربما تكون نموذجاً لهذه المجموعات الإجرامية ..فقد ضبطت هذه الجمعية أثناء محاولتها نقل ما يزيد على مائة طفل (أصغرهم في العام الأول من عمره وأكبرهم عشر سنوات) من تشاد إلى فرنسا بحجج وذرائع ثبت بطلانها كلها..
إذ زعمت هذه الجمعية أن هؤلاء الأطفال مجموعة من أيتام دارفور مشردين لا معيل لهم يعانون من الأمراض والإهمال وسوء التغذية ونقص التعليم.. والجمعية بأهدافها «الإنسانية السامية» ستتولى علاجهم وإيواءهم وإيجاد عائلات فرنسية تتبناهم وتؤويهم.. ولعل أكثر الحجج إثارةً للدهشة أن هذه الجمعية ستتولى تعليمهم اللغة العربية والقرآن!
لدى مقاربة حادثة أطفال تشاد تبرز العديد من المفارقات من أبرزها أنه بينما أكدت تشاد وثلاث هيئات دولية، (هي: الصليب الأحمر الدولي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والصندوق الدولي لرعاية الطفولة «اليونيسف»)، أن معظم هؤلاء الأطفال تشاديون.. وأنهم ليسوا أيتاماً .. بل معظمهم يعيشون مع عائلاتهم وعلى الأقل بوجود أحد الأبوين، وأنهم بصحة جيدة..
بينما زعمت المنظمة أن جميع الأطفال هم من أيتام دارفور ولا يعرف لهم أي أقرباء.. وزادت على ذلك بأنها (أي الجمعية) حصلت على تأكيدات من زعماء قبائل بهذا الأمر.
مفارقة أخرى تبدو في هذه الحادثة تتجلى في أن اختطاف هؤلاء الأطفال لم يستثر أيا من دعاة حقوق الإنسان الغربيين للاحتجاج أو التنديد بهذا العمل البربري، في حين أنهم لا يملون التظاهر والهتاف لإنقاذ دارفور من حكومتها ووحدتها الإقليمية مع السودان للاستيلاء على موارده البشرية والنفطية.
مفارقة ثالثة تتجلى في التباكي الغربي على الشرعية الدولية.. حيث أخذت القوى الغربية تجيش الجيوش لغزو الدول المارقة لخروجها على الشرعية الدولية وسجلها السيئ بانتهاكات حقوق الإنسان، ولكنها في هذه المرة ـ وفي سوابق كثيرة غيرها ـ لم تحرك ساكناً لإعمال المادة 35 من اتفاقية «حقوق الطفل» التي تؤكد على ضرورة وضع التدابير الملائمة والثنائية لمنع اختطاف الأطفال أو الاتجار بهم لأي غرض من الأغراض أو بأي شكل من الأشكال..
وإعمال أحكام وشروط الشرعية الدولية والقانون الإنساني تفرض على جميع الأطراف الموقعة والمصادقة على هذه الاتفاقيات الالتزام الواضح بها.. في حين أن موضوع أطفال تشاد ينتهك القانون الدولي والمبادئ الإنسانية ويتعارض مع كل القوانين والمعايير الدولية بشأن تحركات الأطفال..
ولكن سلوك فرنسا إزاء واقعة أطفال تشاد لم يكشف عن أي شكل من أشكال الالتزام باتفاقيات حقوق الإنسان بعامة والطفل بخاصة.. بل إنها وعلى العكس من ذلك كشفت عن ذهنية عنصرية استغلالية استعلائية... مما وضع الدبلوماسية الفرنسية في وضع دفاعي سيئ.
إن الإدارة السيئة لأزمة أطفال تشاد لن تتوقف آثارها السلبية على صورة فرنسا ودورها في تشاد والمنطقة، بل ستمتد لتصيب بضررها المنظمات غير الحكومية الأجنبية والدولية، وهي تضعف مصداقية هذه المنظمات من جهة، وتقوي من حجج البعض الذي يحاول إبعادها عن مناطق النزاعات تحت ذريعة عدم حيادها، واستخدامها كأدوات من قبل بعض الأطراف الدولية.
من جهة أخرى، فالحكاية ليست جديدة لكنها في هذه المرة جاءت فاضحة للوجه الحقيقي لفرنسا، ولما يسمى بالمنظمات الإنسانية «المنزوعة الإنسانية».
التي تتدثر بالعمل الإغاثي والخيري، وتتحرك في فضاء واسع ممتد من السودان إلى تشاد في مخيمات اللجوء، فضاء مستباح حيث لا سيادة ولا وحدة جغرافية، ولا قرار، ولا قانون في هذا الفضاء «الغابة».
حيث هناك أطفال ونساء وشيوخ.. برسم الخطف والقتل والبيع والاغتصاب.. بشر لمختلف أنواع الاستعمال.
لقد تركت ويلات الحروب والنزاعات أثارها على جميع الناس خاصة الأطفال.. كما أن تدويل قضية دارفور قد فتح الباب لكل أنواع الاستغلال التي عرفتها البشرية. فمن يوقف اختطاف الأطفال ؟؟ سؤال للضمائر التي ما زالت على قيد الحياة؟
برلماني وخبير قانوني أردني