كان نمر بن عدوان فارساً نبيلاً مثله مثل مئات الفرسان الذين أنجبتهم القبائل العربية في وقته. لكن حبه ووفاءه لزوجته الجميلة (أم عقاب) صار أسطورة .
ذكرى الفارس النبيل لابد أنها صدمت البعض منا ففي زمن يخجل الرجل العربي - في أكثر من موقع على الخريطة العربية ـ من النطق باسم أمه أو زوجته أمام أقرانه أو معارفه تأتي قصة ابن عدوان رسالة نبيلة بأن الفارس العربي كان أيضاً عاشقاً يفاخر بحبه لحبيبته وينظم أجمل قصائد العشق في زوجته الجميلة (وضحى) وكأن من شروط الفروسية أن تحب في العلن وتفاخر أمام الناس بالحب.
فإذا كان أجدادنا يحبون في العلن ويفاخرون ويتفاخرون بأمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم وبناتهم فأين (الرجل) العربي اليوم من أجداده وقصص فروسيتهم وقصائد عشقهم؟ «يا عين أبوي» ترددها وضحى كلما سمعت صوت نمر أو لاح وجهه أمامها أو في خيالها في قصة حب وحكاية صدق تشبه الأسطورة اليوم لندرتها!
لكن هناك وجها آخر للقصة: ففي الوقت الذي كانت قصص وقصائد نمر بن عدوان تسافر من قبيلة إلى قبيلة في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام، وفي الوقت الذي كان فارسنا النبيل وكثير من قبائل العرب منغمسين في حروبهم وحكايات الحب وقصائد الشوق وغزو القبائل المجاورة، كان العالم المتقدم ينطلق في ابتكارات واكتشافات علمية على وشك أن تغير من تاريخ البشرية كلها.
وكان العالم المتقدم وقتها أيضاً يبيع ويشتري في منطقتنا وكان فرساننا وقتها منغمسين في «الثأر المحلي» وكأن عالمهم يصر على عدم الخروج من القبيلة وقضاياها وثقافتها وحكاياتها وقصائد فرسانها.
كأن العالم عند العربي ـ أحياناً- لا يمكن أن يتعدى حدود القبيلة أو القرية أو العشيرة القريبة. صورة العربي عند جماعته، أهله وبني جلدته، هي ثروته ورأسماله. ولهذا تكون خصومة الأهل قاسية وعنيفة ومدمرة.
انظر كيف يحارب العربي رفيقه العربي في حروب العرب الداخلية، قبائل أو أحزابا، تظهر الشراسة (و ليست الفروسية) في أقبح صورها: سلب وسرقة أو قتل بالسيف والخنجر أو بالرمي من أعلى السطوح والسحل في الشوارع. لكن أين شجاعة وفروسية العربي حينما يقاتل عدواً غير عربي؟
الغرباء، أحياناً كثيرة، يكونون أكثر حظوة وأجل قدراً عند العرب. في حكايات القبائل العربية، تسمع كثيراً عن لاجئ أجبرته الظروف على الهجرة من دياره، أو من قبيلته، فيحل ضيفاً مقدراً عند قبيلة أخرى تستقبله بما تمليه أعراف الضيافة وتقاليدها ثم مع الوقت تمنحه القبيلة المضيفة تقديراً خاصاً لأنه «ضيف» وافد والأهم أنه يبدوا «محايداً» كما تفرض ظروف «الإقامة» عليه أن يكون.
ولأن الضيف الجديد يريد أن يكسب ثقة مضيفيه فإنه يستثمر أي فرصة مواتية لمشاركة القبيلة في شؤونها والوقوف معها في أي أزمة بالرأي السديد أو بالمشاركة الفعلية في رد الغزاة وخوض الحروب.
مع الوقت يبرز دور الضيف القيادي وتزداد الحاجة إليه ويقوي من موقعه الجديد أنه لم يرث أي عداوة مع أحد من أبناء القبيلة المضيفة حتى تحين الفرصة فيٌنصب (ربما من دون سابق ترصد) لموقع قيادي يقود في النهاية إلى مشيخة القبيلة. كم من شيخ قبيلة عربية وفد إلى قبيلته الجديدة من قبيلة أخرى بعيدة؟ وكم من فارس لفظته قبيلته ليصبح فارساً مبجلاً خارج قبيلته؟
لكن السؤال المهم الآن هو: من هو الفارس في زماننا هذا؟ لم تعد فروسية نمر بن عدوان هي الفروسية الملائمة لعصرنا لأن المعايير تغيرت وأدوات البقاء اختلفت. فمثلما احتمى ابن عدوان بالشجاعة والسيف لحماية قبيلته ففارسنا اليوم لابد أن يحتمي بالشجاعة والعلم والانفتاح على العالم كي يحمي نفسه وقبيلته من الموت أو التلاشي. ولكن - وما أقسى السؤال - أليس صحيحاً أن فرسان العرب اليوم تلفظهم قبائلهم، تغلق الأبواب في وجوههم، تسخر بهم وتخشى فكرهم؟
أليس صحيحاً أن فرسان العرب اليوم يهربون، بالعشرات، من أوطانهم فتستقبلهم، بالترحاب والتقدير، جامعات ومراكز بحوث علمية وشركات عملاقة في الغرب؟
الفارس العربي اليوم يصعب عليه البقاء بين بني جلدته في العالم العربي لأن العرب، فيما يبدو، ما زالوا قبائل تفتك بفرسانها!
معايير القوة (و الفروسية) قد تبدلت تماماً اليوم. الإنسان العربي اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى أن يدرك الحقيقة الصارخة: عالمه اليوم لم يعد قبيلته وقبائل الجوار فقط. لابد أن يدرك العربي أن معركته الحقيقية اليوم لم تعد مع ابن عمه أو القبائل المجاورة لأن العالم الكبير اليوم صار، غصباً عن الجميع، عالم الجميع. والمعركة الحقيقية هي في القدرة على الخروج من أسر الماضي والتعامل الخلاق مع الحداثة والعالم الجديد بلغته وأدواته ومعطياته.
والجوانب الإنسانية النبيلة والمضيئة التي تجسدت في حكايات فرسان مثل نمر بن عدوان يمكن أن تكون عوامل إلهام إضافية قد تمنحنا من قيم الشجاعة ونبل المواقف ما قد يحثنا على الإقدام بثقة نحو زمن مختلف وعالم جديد.
فهل ندرك أن سجن العقول في الماضي هو موت جماعي وضد معايير الفروسية الجديدة؟ وهل نمنح فرساننا ثقتنا كي يفتحوا لنا الأبواب نحو المستقبل بوعي واقتدار؟
مستشار إعلامي سعودي مقيم في دبي