قد يتوقف المرء طويلا أمام صورة لطفل أو مجموعة من الأطفال ينظرون في الفراغ وهم عالقون في ظروف حرب مفروضة عليهم. فكثيرا ما تطالعنا الصحف بمثل هذه الصور في العراق أو فلسطين أو في أفغانستان أو غيرها من الدول التي عانت أو ما زالت تعاني من ويلات الحروب ومصائب النزاعات.

يحاول المرء وهو ينظر إلى الصورة أن يمعن في تأمل الوجوه الصغيرة، أن يستنطقها ويقرأ تلك الكلمات العالقة في العيون، غمامة سوداء تظلل تلك العيون، انطفاء واستغلاق وسدّ منيع يقصي العالم ويصرخ بأسئلة لن تجد لها جوابا إلا مشاعر الكراهية والحقد والغضب والقنوط، مئات بل آلاف من الصغار الأبرياء تغتال براءتهم وسعادتهم، ويذبح مستقبلهم الواعد على منصة الأطماع والاعتداءات التي شيّدها الكبار وعمروها بظلمهم وجبروتهم.

لا يعرف الكبار وهم يمارسون طغيانهم ويغذون أطماعهم أنهم يبذرون في التربة أشجارا لا عدّ لها ولا حصر من القهر والكراهية والدمار، فهؤلاء الصغار لن يكبروا معافين أبدا، وستكبر معهم تلك الصورة السوداء القاتمة للعالم الذي لم يعرفوا أنّ له وجها آخر جميلا ومحبا، فهم لم يروا منه إلا وجه القبح والكراهية.

تحضرني الآن صور مختلفة شاهدتها في الصحف لأطفال فلسطينيين أو عراقيين، يطلون من النوافذ أو من فتحات في جدار مدمر، أو أطفال يلتصقون بأمهاتهم وعيونهم معلقة بسلاح يتجول في يد جندي مغتصب، أو أطفال في زقاق سمرتهم أصوات القذائف في أماكنهم فبهتوا وانسحب الدم من وجوههم، أو أطفال خطفت رقدة الموت نظرتهم، فأغمضوا عيونهم صامتين، وسؤال كبير معلق فوق رؤوسهم: «لماذا؟».

إنّ كل الدراسات التي تهتم بالطفل تؤكد على حاجة الطفل إلى الشعور بالأمان والحب، وتشير إلى أهمية أن يعطى الطفل فرصة للاستجمام والترويح عن النفس، وأن يمنح وقتا كافيا من الاهتمام والرعاية، وأن ينظر إلى لعبه على أنه حق من حقوقه التي يجب ألا تمسّ، هذا بالإضافة أيضا إلى حقه في التعليم والعناية الصحية والحماية.

ولكنّ هذه الحقوق تضيع تماما في ظل الحروب والحصار وفي أجواء النزاعات الداخلية، فيضيع الأطفال في عالم لا تستطيع عقولهم الصغيرة أن تدركه أو أن تفهم أسبابه ودواعيه.

وكثيرا ما يعاني أطفال الحروب من سوء التغذية ومن الحرمان من العلاج والمياه الصالحة للشرب، وقد تصيبهم ويلات الحرب إصابات مباشرة فيموتون أو يشوهون أو يعذبون بإجبارهم على رؤية مشاهد العنف والقتل، أو قد تكلم الحرب قلوبهم بقتل آبائهم أو أمهاتهم أو أقربائهم. لقد حرم عدد كبير من الأطفال حول العالم من حقهم في التعليم بسبب الحروب.

وأصبح بعضهم معيلا لأسرته وهو في سنّ صغيرة جدا بسبب فقدان المعيل. إنّ آلافا من الأطفال حول العالم يكبرون معطوبين مشوهين من الداخل، يحملون في نفوسهم كما هائلا من الكراهية للعالم، والغضب المدمّر، والألم الذي لا يهدأ ولا يستكين.

وعلى الرغم من أنّ المجتمع الدولي قد اعترف للطفل بحقوقه في حالة السلم والحرب، ووضع اتفاقية دولية لحقوق الطفل تحميه وتحمي حقوقه فإنّ واقع الحال في البلاد التي تعاني من الحروب والحصار كالعراق وفلسطين والصومال وغيرها لا يحترم بنود هذه الاتفاقية، إذ نرى الأطفال في هذه الدول يعانون معاناة قاسية، قد تشي بطرف منها تلك الصور التي جعلناها منطلقا لحديثنا.

فقد أشارت بعض الدراسات التي أجريت لمعرفة الآثار النفسية والجسدية على الأطفال أثناء الحرب إلى أنّ الأطفال يعانون من غياب الشعور بالأمن، والغضب الشديد، والقلق الزائد، واضطرابات شديدة في النوم، والأحلام المزعجة.

وفقدان الرغبة في اللعب، وقلة الشهية، ونقص الاهتمام بالأنشطة المختلفة، وتدني الاهتمام بالمدرسة، وآلام في الرأس والمعدة، والعصبية الشديدة، أو الانعزال والصمت. وتمثل هذه الأعراض قمة جبل الجليد، أما باطنه فلا يمكن معرفته وتحديده.

وقد قرأنا عن خبرات بسيطة مرّ بها بعض الناس فاستمر أثرها في نفوسهم حتى سن متأخرة جدا، من مثل موقف مع معلم قاس، أو معاملة سيئة من قبل أحد الوالدين، أو تجربة فاشلة لم تستطع الأيام أن تزيل أثرها، فما بالنا بمحيط تتضافر كل عناصره في أنْ تؤذي الصغار، وتنسج تجاربهم بخيوط من التخويف والتجويع والإرهاب وسلب الحقوق؟

ولعل ظاهرة تجنيد الأطفال وانخراطهم في الحروب تشير إلى مدى الظلم الذي يقع عليهم في عمر لا يمكنهم من إدراك مغبة أفعالهم ونتائجها، خاصة وأنّ معظم هؤلاء الأطفال، كما تشير الدراسات، يعانون أصلا من الفقر الشديد، أو فقد أحد الوالدين أو كليهما.

فلا سقف يؤويهم ولا مورد يحفظ لهم حياتهم وكرامتهم، فيصبحون لقمة سائغة في أيدي المقاتلين الذين يستغلون ضعفهم وحاجتهم.

وقد أشار استطلاع أجري بمناسبة مرور خمسين عاما على اتفاقيات جنيف إلى أنّ هؤلاء الأطفال لا يفهمون إلا لغة هدر الدماء، فهم ضحايا، ولكنهم في الوقت نفسه مصدر من مصادر القتل والتدمير؛ إذ يلجأون إلى إطلاق النار من دون سبب، وهم لا يدركون نتائج أفعالهم.

ولا يرون في الحياة إلا لغة الدم والرصاص، فهم لا يستطيعون أن يتصورا حياتهم خارج إطار الحرب والنزاع، لأنهم لم يعرفوا لأنفسهم وجودا إلا في ظلها.

والجدير بالذكر أنّ آثار الحروب على الأطفال ليس آنيا، ولا ينتهي حين تضع الحرب أوزارها، بل يمتد أجيالا وأجيالا، فهذه النفوس المعطوبة المكلومة يتسرب نزيفها إلى الآخرين.

ولا يمكن أن تمحى من ذاكرتها ما حفرته الأيام من جروح، فتمتزج مرارتها بنسيج المجتمع، وينصهر ما غذّيت به من مشاعر الكراهية والخوف والهلع في نفوس الآخرين من أبناء وأحفاد. فاحتمال نشوء مجتمع معافى قوي بعد سنوات طويلة من الحروب والظلم والقتل احتمال ضعيف جدا، لأن الأشياء لا تنفصل عن بعضها البعض، والتربة التي بذرت بالحنظل لا تنتج حلو الثمر.

والمأساة المؤلمة حقا، حين نتعمق في تأمل المشهد في بعض بقاع العالم، أنّ اليد التي بذرت الحنظل في التربة الطيبة هي يد غريبة مغتصبة طارئة، فيا لله كم ظلمت أراض طيبة! وكم طغى فيها الإنسان!.

جامعة الإمارات