الجدل الدائر حالياً حول المجلس الوطني، وأداء الأعضاء المعينين والمنتخبين على حد سواء، يحتاج إلى الكثير من المكاشفة، ليس على طريقة توجيه الاتهامات بالضعف أو التقصير من جانب المواطنين الإماراتيين، ولا على طريقة الدفاع والهجوم.
فهذه بالتأكيد لن تقود للنتيجة المرجوة، والنتيجة المرجوة معروفة، يعرفها ابتداء صانع القرار، ويعرفها جيداً أعضاء المجلس الوطني، ويعيها أفراد المجتمع إن لم يكن جميعهم فأغلبهم على الأقل!
في كل برلمانات العالم تتضارب مصالح الأعضاء فيه مع مصالح أفراد المجتمع أحياناً، ويحدث أن يغلب البعض مصالحه أو مصالح فئته على مصالح من انتخبه من الناس، فلا يلجأ إلى إثارة القضايا والاشكالات التي قد يجد فيها ضرراً على مصالحه.
فإذا أثارها آخرون يلجأ إلى الصمت فلا يسجل موقفاً يحسب عليه، وعندنا يلجأ البعض إلى الصمت لأنهم سمعوا حديثاً شائعاً يقول بأن الذين يصمتون ولا يثيرون المشاكل هم الأكثر حظاً في البقاء في المجلس لأطول فترة ممكنة، وبالتأكيد فلا دليل قاطعاً على هذا الاستنتاج، لكنه نظرية منتشرة على أية حال.
من هنا فإن بعض الأعضاء يعطل بإرادته أدوات وهامشاً للتحرك في المجلس لهذا السبب، وهؤلاء أعضاء موجودون اليوم وقد وجدوا بالأمس وسيوجدون دائماً، وهو أمر طبيعي جداً في تركيبة البعض من الذين دخلوا المجلس لأهداف لا علاقة لها بخدمة مصالح الناس وتبني قضاياهم وتمثيلهم ونقل صوتهم ومطالبهم لصانع القرار.
مع ذلك، فإن هناك آخرين ذهبوا وفي نيتهم خدمة أبناء الإمارات وتمثيلهم جميعاً سواء من كانوا من أبناء إمارتهم أو من إمارات أخرى على اعتبار أن عضو المجلس الوطني يمثل شعب الاتحاد كله حسب نصوص الدستور، وهؤلاء كانت تملؤهم آمال كبيرة حيال أداء مختلف وفاعلية أكثر وحراك مؤثر في الحياة السياسية عموماً وحياة الأفراد خاصة.
كان الجميع في الإمارات ينتظرون مجلساً مغايراً، كما كانوا ينتظرون من الأعضاء أداء متميزاً ومؤثراً، ما حدث كان العكس تماماً حتى وإن تحدث البعض ورفع صوته وسجل مواقف جيدة، ذلك أن تقييم المجلس لا ينظر إليه من خلال أداء فرد واحد، وإنما من خلال أداء جماعي، من هنا جاء النقد وتوجيه الاتهامات، فعلى قدر التوقعات يكون الإحباط، وخيبة الأمل!
علينا أن نعلم جميعاً أن هناك عاملاً حاسماً يعرقل ديناميكية المجلس يتمثل في صلاحياته وصلاحيات أعضائه، وطالما بقي المجلس استشارياً لا قدرة لديه لمساءلة الوزراء والمسؤولين ولا رأي له في ميزانية الحكومة، ولا هامش مفتوحا لتناول كل القضايا الحيوية كما تقتضيها مصلحة الإمارات أولاً وأخيراً، فإن الأعضاء المعينين والمنتخبين سيبقون على قدم المساواة في التقيد بحدود الصلاحيات المتاحة لهم، وستقف هذه الصلاحيات حجر عثرة في طريق أدائهم وتفاعلهم ودورهم.
لقد ذهب الجميع للمجلس الوطني، أعضاؤه والمواطنون معاً، على أمل التغيير وتوسيع الصلاحيات والتدرج في التغييرات الهيكلية الأخرى، وكلنا أمل في أن الوقت قد حان لذلك وأن يأخذ المجلس مبادرة التغيير كي يستطيع الأعضاء أن يتحركوا، وحتى تكون محاسبتهم على ضعف الأداء موضوعية فيما بعد!!
