قبل أيام أهداني صديق أميركي من أصل عربي كتاباً يلقي الضوء على ظاهرة تفشي الفساد المالي والإداري في مختلف الدول في العصر الحالي.
في مقدمة الكتاب يقول الكاتب: إن الفساد المالي والإداري بدأ وانتشر في المجتمعات عبر التاريخ والموضوع لا علاقة له بدين أو مذهب، ولا بزمن محدد أو قوم ما، بل انه وجد وتطور مع التطور البشري منذ الأزل، واستمر مع ظهور الحكومات والمؤسسات ويتجدد بتجديدها، ولم تعرقله القوانين والأنظمة التي كانت تسن لمحاربته، فأينما وجدت مجموعة من البشر وجد الخير والشر معاً، ومن ضمنها الفساد بشتى أنواعه وأشكاله.
ومع تطور الأنظمة والقوانين في المجتمعات المدنية وظهور الرقابة الشعبية، وإنشاء الرقابة المالية والإدارية، تغيرت الأوضاع إلى حد ما في بعض الدول، وظهرت المنظمات الدولية ومارست دورها في الرقابة على المؤسسات الحكومية، وكذلك المؤسسات العامة، وفي ظل الوسائل الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، أصبح بإمكان الجميع الاطلاع على التقارير التي تجتهد هذه المنظمات على العمل عليها وإصدارها سنوياً بكل شفافية.
كما يتضمن الكتاب احصائيات وبيانات صادرة عن بعض المنظمات والتي تبين أكثر القارات والدول فساداً في هذا القرن، وتأتي إفريقيا في المقدمة ثم دول الشرق الأوسط، وبعدهم أميركا الجنوبية وبعض الدول في آسيا، ويرجح الكاتب أن يكون السبب الرئيسي في انتشار الفساد في بعض الدول هو الأنظمة الاستبدادية المستهترة، والتصرفات الفردية في الأموال العامة دون رقيب أو حسيب، والتي غالباً ما تأتي عن طريق صفقات الأسلحة.
حيث المبالغ الكبيرة ولا قوانين تحترم، أما فيما يتعلق بالمؤسسات العامة، ففي رأي الكاتب أن سبب تفشي الفساد فيها مرده أن رئيس المؤسسة يتجاوز صلاحياته، بتعيين أقربائه في مراكز حساسة ومهمة لتغطية تصرفاته الشخصية الخاطئة، ومن ثم يستغل مثل هؤلاء مواقعهم ويحذون حذوه للتلاعب كما يريدون، هذا بعض ما ورد في هذا الكتاب.
وفي رأيي أن دول أوروبا وأميركا الشمالية ليست بعيدة عن هذا الموضوع، لكن الرقابة الشعبية التي تنفذ على الجميع، ووجود أحزاب ذات توجهات مختلفة على رأسها برلمانات قوية وقوانين صارمة وملزمة للجميع، دون أن يكون هناك من هو فوق المساءلة، إلى جانب وعي الشعوب، وفهمها لدورها واهتمامها وحرصها على معرفة ما يجري في بلدها يقلل من انتشار هذه الظاهرة.
والأهم من ذلك الإعلان عنها إن وجدت عن طريق الصحافة الحرة التي تمارس دورها الفعلي كسلطة رابعة، تتابع وتكشف كل مخالف، وتلاحقه بجرأة وموضوعية دون خوف، وكلما زادت مثل هذه الرقابة، قل الفساد أو حورب من جذوره، أو على الأقل قبل أن يستفحل.
كما حدث مؤخراً مع عمدة مدينة فيلادلفيا في الولايات المتحدة الأميركية، مع ان ما قام به العمدة لا يستحق تلك الضجة الإعلامية التي شنت ضده. إذا حكمنا على ما قام به بمنطق ما يجري في دول العالم الثالث!
لم يكن للصحف الصادرة في فيلادلفيا بتاريخ 29/6/2007 إلا موضوع عمدة المدينة. فالعمدة لم يرتكب مخالفة أو استعمل صلاحيته لعدم دفع الغرامة، إنما ذهب ووقف في الطابور حاله حال جميع المواطنين ليشتري جهاز هاتف نزل في السوق حديثاً، فهو لم يستغل مركزه بإرسال مدير مكتبه أو أحد الموظفين العاملين تحت سلطته، أو استغل نفوذه واتصل بالمتجر ليرسلوا إليه ما يريد دون الحاجة إلى الوقوف في طابور. مع ذلك لم ترحمه الصحافة وجعلت من رغبته في اقتناء أحدث جهاز تلفون وتصرفه كعامة الناس قضية لماذا؟
لأنه أضاع وقته خلال فترة عمله بالوقوف في الطابور لساعات، في الوقت الذي كان عليه أن يكون في مكتبه لقضاء مصالح المواطنين وإنهاء معاملاتهم، وليس لقضاء مصالحه الشخصية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رقابة المجتمعات المتقدمة على المسؤولين وأصحاب المراكز الرسمية، حتى وإن كانوا يعتقدون من وجهة نظرهم ان ما يقومون به لا يتعارض مع المصالح العامة، لكن إذا حصل ذلك خلال أوقات العمل الرسمية، عليهم ألا ينسوا أنهم تحت مجهر الرقابة التي تعد عليهم كل صغيرة وكبيرة وتراقب كل خطواتهم، ولا تلتمس لهم العذر أبداً.
هكذا تجتهد وتحاول المجتمعات المتقدمة والواعية بفرض الرقابة على تصرفات كل مسؤول قائم على أمورها ومصالحها لذا تعمل على محاربة الفساد المالي والإداري ومكافحته بشتى الطرق، ولا تتنازل عن محاسبة أي أحد دون استثناء.
أما في الدول النامية فالفساد المالي والإداري مستمر في الانتشار، بل يزداد عاماً بعد عام حسب ما تنشره وسائل الإعلام العالمية والمنظمات المختصة.
فإلى متى يستمر هذا الفساد وهل يمكن القضاء عليه أو الحد منه؟
لا أعتقد أنه بالإمكان ذلك على الأقل في المستقبل القريب. ما دامت هناك شعوب غير قادرة على المواجهة والمحاسبة، وراضية بالعيش تحت رحمة من يعمل من أجل مصلحته، دون رقيب أو حسيب، ويتبجح بالظهور في وسائل الإعلام بمناسبة ودون مناسبة للتباهي بالشفافية ولبس ثوب النزاهة غير مكترث بمآسي الشعوب ويعرقل تقدمها.
لكن من يدري فلا سخط دائم ولا رضا دائم.
كاتب إماراتي
